أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - المقهى الأخير














المزيد.....

المقهى الأخير


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8524 - 2025 / 11 / 12 - 10:05
المحور: الادب والفن
    


عُشّ انتظارٍ لا يهرم

هناك مقاهٍ تُبنى للقاء، وأخرى تُبنى للانتظار.
وفي مدنٍ ضاربة الجذور كالنّجف، يصبح المكان ذاكرة حيّة، ويغدو فنجان الشاي مرآةً يطلُّ منها الغائب.
إننا لا نلوذ بالأماكن اعتباطًا؛ غالبًا ما نجلس لنحرس شيئًا يمضي مبتعدًا عنا.

في قلب النجف القديمة، حيث الأزقّة الضيقة تلتفّ حول البيوت كخيطٍ يشدّ الذاكرة إلى الوراء، كان يقع مقهى أبو مهند.
بواجهةٍ بسيطة، وباب خشبي متآكل، ورائحة شايٍ يُعدّ ببطءٍ على الجمر.
الجدران بلون الغبار العتيق، بينما يتحرّك الوقت في المكان بتثاقلٍ يشبه خطوة شيخٍ على عكّازه.
كان روّاد المقهى يجتمعون قبيل الغروب؛ رجال يرتدون العباءات، تعلو رؤوس بعضهم العمائم، ويمتزج حديث السياسة بالدين، ثم يسكن كل شيء فجأةً كأن الصمت جزء من التراث.
وفي زاويةٍ ثابتة، كان هناك كرسي لا يجلس عليه أحد سوى رجل واحد: نعيم.
كان يأتي كل مساء، يحمل جريدةً قديمة لا تتغير، يطلب كوب شاي، ثم يجلس في صمتٍ طويل.
لم يكن أحد يعرف قصته كاملة، لكن حزنه كان ظاهرًا كما تُرى الندبة في جبين رجلٍ خبر الحروب.
ذات يوم، جلس شاب جديد في المقهى، ولاحظ أن نعيم يُقلب الصفحة نفسها دون أن يقرأ حرفًا منها.
اقترب منه وقال باحترام:
— "عفوًا يا عمّ… ماذا تنتظر؟"
رفع نعيم رأسه ببطء، ثم أجاب بنبرةٍ غائرة:
— "أنتظر الماضي أن يعود."
ساد صمتٌ قصير.
ثم تابع بصوتٍ يمشي على الحافة بين الذكرى والبكاء:
— "كان لي بيت هادئ، وزوجة صالحة، وابن واحد اسمه مهند.
كان ذكيًا، محبًا، وذا قلبٍ مفعمٍ بحب الوطن.
وكان يحب فتاة من جيراننا… حبًا نظيفًا لا يجرح العادات ولا يخرق وقار البيوت.
كنا نتهيّأ لأن يبنيا بيتًا صغيرًا، ملاذًا للطمأنينة والمودّة."
توقّف قليلًا، وكأن الكلمات تجرف شيئًا ثقيلًا من صدره.
— "وفي الانتفاضة الشعبانية عام ١٩٩١، خرج مهند.
كانت المدينة تغلي.
حدثت فوضى، تدافع، تدخل قاسٍ.
ومنذ ذلك اليوم… لم يعد."
خفتت الأصوات.
حتى قطع الدومينو سكنت على الطاولات.
قال نعيم:
— "بحثت عنه في المستشفيات، في مراكز الشرطة، في السجون، بين الأصدقاء والأقارب.
لا شهيد معلوم، ولا مفقود معلوم.
لقد غاب… كأن الأرض ابتلعته."
ثم أشار إلى الكرسي الذي يجاوره:
— "ومنذ ذلك اليوم… أنا وهذا الكرسي ننتظر."
وفي مساءٍ بارد، دخل شاب يشبه مهند كثيرًا.
ارتهنت الأنفاس للحظةٍ واحدة.
نهض نعيم مرتجفًا:
— "مهند…؟"
التفت الشاب، وابتسم بلطف:
— "لا يا عمّ… لست هو. أنا مجرد مسافر."
عاد نعيم إلى كرسيه، كمن يعود إلى جرحٍ لا يندمل، وقال:
— "ليس كل من ننتظرهم يعودون…
ولكن يكفينا أن يبقى القلب مفتوحًا."
نحن لا نُشفى من الفقد.
نحن نتعلّم فقط كيف نجلس إلى جانب الغياب دون أن ينهار الجدار الداخلي فينا.
هناك من يصنع من الانتظار حياة كاملة… لأن ما مضى كان أرحب ممّا بقي.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حِذاءُ كريم
- بائعة الساعات
- سجّان بلا مفاتيح
- صوت الطاحونة القديمة
- دعاء الكروان عند باب الغياب
- ظلّ تحت الجسر
- سارة
- يا راحلتي — نورٌ لا ينطفئ
- طيور السطح
- العراق بين حلم الدولة المدنية وواقع المحاصصة
- بيت الزجاج
- لم يعد… لكنه عاد
- قاربٌ من الطين
- تنّور أم زينب
- ذكرى لا تُباع
- ألمُ الفقد
- نبضٌ لا يموت
- ضجيجُ العيش وصمتُ الحكمة
- حديقة البيت رقم ١٧
- ظل الصباح


المزيد.....




- أحمد المصري.. المسرح رسالة حياة وأمل
- الممثل الدائم لإيران في فيينا: الهجمات على محطة -بوشهر- للط ...
- شارك بمسلسل -حلم أشرف-.. وفاة الممثل التركي رمضان تيتيك
- فيلم -فلسطين 36- يواصل رحلته العالمية بـ 25 عرضاً في العاصمة ...
- بمشاركة -الست-.. 200 فيلم في الدورة الـ73 لمهرجان سيدني
- وراء الباب السابع
- بغداد تئن من وجع الأوهام
- مهرجان اوفير الدولي
- ألبوم -سر-: مريم صالح تواجه الفقد بالغناء
- إعادة ترجمة كلاسيكيات الأدب.. بين منطق اللغة وحسابات السوق


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - المقهى الأخير