أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مقهى عند شطّ العرب














المزيد.....

مقهى عند شطّ العرب


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8530 - 2025 / 11 / 18 - 10:09
المحور: الادب والفن
    


حين يلتقي المسافر وظلّه

لا أحد يعود من الغربة كما خرج منها… حتى المقهى يشعر بذلك.

كان مقهى أبو صفاء يستقر عند منتصف كورنيش البصرة المطلّ على شطّ العرب؛ مكان صغير لا يضمّ سوى ثلاث طاولات، وسقف خشبي تظلّله نخلة زاحفة تمنح ظلًّا يشبه يدًا حانية تمتدّ من الماضي.
لم يكن المقهى مشهورًا بالقهوة، بل بصاحبه… الرجل الذي يقول عنه أهل الكورنيش: "يقرأ الوجوه قبل ما يقرأ الفناجين."
في صباح بارد ملبّد بالمطر، دخل شاب يحمل حقيبة ممزقة، خطواته متعبة كأنها تعود من زمن وليس من طريق.
جلس على الطاولة القريبة من الشط، ولم يطلب شيئًا، فقط ظلّ يحدّق بالماء، كأنه يسأل الشطّ سؤالًا لا يقال.
اقترب منه أبو صفاء بلطفه المعتاد:
"تشرب كهوة ؟"
رفع الشاب رأسه وقال بصوت يختلط فيه الخجل بالتعب:
"بس أريد أعرف… شلون الواحد يرجع للبيت بعد ما يخسر كلشي؟"
جلس أبو صفاء قبالته، ووضع دلة القهوة بينهما كأنها وسيطة سلام بينه وبين العالم، وقال بهدوء يشبه حكمة كبار السن:
"يا نرجع لأن عدّنا أحد ينتظرنا… يا نرجع لأن ما عدّنا أحد غير نفسنا."
لم يفهم الشاب كل الكلمات، لكنه شعر أن القهوة تسري في صدره مثل عزاء دافئ. قال بصوت منكسر:
"تركت أهلي… وسافرت. گلت أرجع فلوس وأرجع وجهٍ مرفوع. بس رجعت خاوي… مثل جيبي."
في تلك اللحظة، انفتح باب المقهى بقوة، ودخلت فتاة ترتجف من المطر. وقفت للحظة، ثم شهقت:
"ثامر ؟"
التفت ببطء… كأن السنوات كلّها تجمّعت أمامه في شكل فتاة واحدة.
جلست أمامه دون استئذان، تنظر لوجهه الذي تعبته الغربة أكثر مما أتعبته الحياة. قالت بخفوت ممزوج بالخذلان والاشتياق:
"وين رحت؟ ليش اختفيت؟"
أسند ثامر مرفقه على الطاولة، وتنحّى حزنه جانبًا ليتكلّم أخيرًا.
"سلمى… تدرين؟ يوم سافرت، گلت لازم أرجع رجل. رجل يشيلچ بعيونه ويجيبلچ خاتم ذهب بعرقه."
أغمضت عينيها تحبس دمعة ثقيلة.
"طلعت من البصرة للشمال… ومن الشمال لتركيا… ومن تركيا لبلد يگولون عنه جنة المهاجرين."
ثم ابتسم ابتسامة موجوعة:
"جنة؟ لا. كانت غابة باردة."
"أول سنة… غسّال صحون. الثانية… حمال صناديق. الثالثة… مطعم. الرابعة… أمن. الخامسة… كناس."
"وآخرها… انكسرت رجلي بزلق ثلج. وما سأل عني أحد."
"كل يوم أگول أجمع شوية فلوس وأرجع. بس فلوسي راحت، وصحتي راحت، وروحي تِكسرت."
"وما رجعت… لأني ما گدرت أشوفچ وأنا فاشل."
مدّت سلمى يدها فوق يده وقالت بلطف يعيد الروح:
" ثامر… الفشل مو لما توكع… الفشل لما تتخلى عن نفسك. وإنت… رجعت. وهذا يكفيني."
ارتجف صوته وهو يسأل:
"تقبلين رجل رجع خالي الوفاض؟"
ابتسمت عبر دموعها وقالت:
"أقبلك… لأنك موجود، مو لأنك غني. والفقر الحقيقي مو بفلوسك… الفقر إن واحد يعيش بلا أحد ينتظره."
شعر المكان كله بأنه يتنفّس معهم. حتى الشط خفّ صوته، وكأن الماء يبارك اللقاء.
نظر أبو صفاء إليهما من بعيد، ومسح الطاولة المجاورة وهو يتمتم في سره:
"المقاهي تعرف أسرار البشر… بس تبقى ساكتة."
وبين رائحة القهوة، وصوت المطر، وشطّ العرب الذي يستمع بصمت، كان شيء يشبه العودة يولد من جديد…
عودة لا تحمل ذهبًا ولا مالًا، بل قلبين التقطا بعضهما بعد غربة طويلة.
وأحيانًا…
لا تعيدنا الطرق إلى بيتنا، بل يعيدنا شخص واحد فقط.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- راديو أم خزعل
- جبار البنّاي… آخر حراس الطين
- عدسة مكسورة
- الكشك الأخير
- باب الدفترجي
- عود علّي
- ديوان تراتيل الفقد / ٣
- ديوان تراتيل الفقد / ٢
- ديوان تراتيل الفقد / ١
- المقهى الأخير
- حِذاءُ كريم
- بائعة الساعات
- سجّان بلا مفاتيح
- صوت الطاحونة القديمة
- دعاء الكروان عند باب الغياب
- ظلّ تحت الجسر
- سارة
- يا راحلتي — نورٌ لا ينطفئ
- طيور السطح
- العراق بين حلم الدولة المدنية وواقع المحاصصة


المزيد.....




- زفّة على الأحصنة وسط الثلوج.. عرس تقليدي يحيي الموروث الفلكل ...
- حارب الاستعمار ثم تفرغ للبحث.. وفاة المؤرخ الجزائري محمد حرب ...
- إبراهيم عدنان ياسين: قصص قصيرة جدا - 2
- سعاد الصباح لـ-الجزيرة نت-: أنا صوت مَن لا صوت لهم والخسارة ...
- 5 أفلام رسوم متحركة ملهمة لا تفوتك مشاهدتها مع أبنائك المراه ...
- وثائقي -مع حسن في غزة-.. صور من 2001 تفسر مأساة 2026 دون كلم ...
- الساحة الفنية 2026: منافسة خليجية حادة والقارة العجوز لم تقل ...
- ماذا خسرت فلسطين برحيل سادن تراثها حمزة عقرباوي؟
- اللغة العربية.. اقتحام أنيق لعالم الموضة والمجوهرات والتصميم ...
- إطلاق خدمة البث باللغة الفارسية


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مقهى عند شطّ العرب