أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - خطيئة السابع عشر














المزيد.....

خطيئة السابع عشر


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8542 - 2025 / 11 / 30 - 15:39
المحور: الادب والفن
    


​كانت سعاد، ابنة السابعة عشرة، تعيش داخل فقاعة وردية صُنعت لها بعناية.
مدللة، ميسورة الحال، ومعتادة على أن تُمدّ لها جسور الحلول قبل أن تسأل عنها.
لكن شيئًا واحدًا ظلّ شوكة في طريقها الأنيق: مادة الرياضيات.
كانت المعادلات الجبرية كأحجيات صامتة تستعصي على عقلها، مما عرّضها لأول شعور حقيقي بالعجز.
​بناءً على اقتراح العائلة، استُعين بـ"ست نبأ"، مدرسة خاصة، لطيفة وصبورة كعادة النساء المتفانيات.
إلا أن ست نبأ لم تكن سوى شاهد يومي على فشل سعاد. لم تتقدم خطوة واحدة،
وتحوّلت المعلمة تدريجيًا في نظر الطالبة إلى عبء ثقيل يذكّرها كل مساء بـ**"الثقب الأسود"** في ذكائها.
​وفي صباح عاصف بالتوتر، همست لها صديقتها شذى، وهي تلاحظ ظلال القلق تحت عينيها:
— سُعاد، روحي يمّ الأستاذ محمد. يكولون هوَّ الأفضل، ويحوّل حتى اللي (ما يفتهم) إلى شُطّار.
​ضحكت سعاد بخفوت، لكن النصيحة استقرت في أعماقها. وهكذا، دخل الأستاذ محمد مسرح حياتها لأول مرة.
​كان في أواخر الأربعينات، متزوجًا ولديه طفلان، لكن مظهره كان يوحي بعمر أقل.
كان هدوء ملامحه يتناغم مع طريقته الواثقة في شرح أصعب المعضلات.
صوته الرصين، وإشارته الدقيقة وهو يخطّ الأرقام على السبورة،
كل ذلك لم يكن يعني لسعاد شيئًا في البداية. كانت تركز على حل المسائل…
أو هكذا أقنعت نفسها.
​بعد أسابيع قليلة، بدأ شيء غريب ينمو في تربة قلبها غير المأهولة.
لم تعد تنتظر الدرس لفكّ رموز الرياضيات، بل لتأمل وجوده. تحوّلت نظرتها المترددة إلى تحديق صامت، شغوف، يحمل وطأة الشعور الأول الذي يباغت روح المراهق دون سابق إنذار: الحب. ذلك الحب العاصف، غير الناضج، الذي يرى في المعشوق عالمًا كاملاً ولا يرى في نفسه سوى ظمأ لا يُروى.
​لم يكن الأستاذ محمد ليدرك ذلك؛ فقد اعتاد أن يدرّس عشرات الطالبات.
كان تركيزه مُنصبًا على واجبه المهني، يمحو خطأ، ويشرح قاعدة، مرددًا بلهجة أبوية:
— سُعاد... ركّزي. الامتحانات قَرُبت.
​لكن سعاد لم تكن قادرة على جمع شتات تركيزها. كان الحب ينمو في صمت، يتحول من تعلّق إلى هوس،
ثم إلى ألم غامض لا اسم له، ألم الإدراك بأن مسافات شاسعة تفصل بين عالمها الطفولي وعالمه الراسخ.
​والدتها، التي كانت امرأة ذات فطنة، بدأت تلاحظ انزياحًا في سلوك ابنتها: شرود غير مبرر، ارتباك قبل وصول المعلم، وتوتر يسبق كل لقاء.
​وفي ليلة شتاء باردة، حين أدركت سعاد أن حبها هو جسر من طرف واحد، وأن الرجل الذي سكن قلبها لا يراها سوى "طالبة تحتاج مساعدة"،
انفجر شيء متهور في داخلها. رغبة طفولية في الانتقام من جرحها، أن تحوّل الألم الداخلي إلى أزمة خارجية.
​ذهبت إلى والدها، توفيق، وهي تخفي وجهها في كفّيها، وقالت بصوت بالكاد يخرج من حلقها:
— بابا... الأستاذ محمد دِيتحرّش بيَّ.
​كانت الكلمة كالصاعقة. ثار الأب، وارتدى معطفه بعزم للذهاب إليه. عند الباب، وقفت الأم. نظرت إلى زوجها الغاضب، ثم إلى سعاد المنكسرة، وقالت بهدوء:
— توفيق... إنتظِر. اكو شي غلط. خلّيني أفهم.
​جلست الأم مع سعاد لساعات، تفكك الحكاية خيطًا خيطًا. انسابت الاعترافات تدريجيًا: مشاعر مراهقة مهملة، ولا فعل يخدش الحياء. كان كل شيء مجرد كذبة متهورة، نتاج قلب صغير ضاع في أول متاهة عاطفية، واختلق جريمة لينجو من عار الرفض.
​واجهت الأم ابنتها بالحقيقة الهشة، فانهارت سعاد باكية، اعترافًا وندمًا.
​في اليوم التالي، أو عند حلول موعد الدرس القادم، دخل توفيق إلى الغرفة التي كان الأستاذ محمد يشرح فيها درسه. أومأ لابنته قائلاً بهدوء حازم:
— سُعاد، إطلعي برا لحظة، أريد الأستاذ محمد بكلمتين.
​خرجت سعاد بخطوات ثقيلة. أغلق توفيق الباب، وتوجه نحو المعلم الذي بدا مستغربًا، وقال له بصدق وحرج:
— أستاذ محمد، تعذرني على المقاطعة. أدري بيك إنسان نقي ومحترم، وأنت بمثابة عمها.
بس صار شي البارحة لازم تعرفه.
​شرح توفيق بكل صدق قصة المشاعر المراهقة والكذبة القاسية التي كادت تودي بسمعة الأستاذ.
كان الأستاذ محمد يستمع بصمت، وعيناه تعكسان فهمًا عميقًا.
— أستاذ محمد، أعتذر لك باسمي وباسم أمها.
​ابتسم الأستاذ محمد بمرارة وهز رأسه، قائلاً:
— ما يحتاج اعتذار أستاذ توفيق. أنا متفهم. بس صدّكني، في هذه الحالة البِنية محتاجة مُتابعة ورعاية...
مو درس خصوصي بس.
​ومن ذلك اليوم، تعلّمت سعاد درسًا لم يكن مدونًا في أي كتاب مدرسي:
أن بعض المشاعر، إن لم تُحتوَ وتُدار بعقلانية، تتحوّل إلى كوارث صغيرة، تشتعل لتكاد تحطم حياة وسمعة أرواح بريئة.
كانت تلك هي خطيئة السابعة عشر، الدرس الأقسى في منهج الحياة.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الهروب .... وعودة الروح
- ريح الحنوب في قلب المستنصرية
- الظلّ الذي قتل الحُب
- غيلةُ الروح
- حين تعبر الريح مزرعة الحمّاد
- أنين الدار
- ​همسة الخلاص: الظل الثالث في السعدون
- الزهور التي تكذِب
- رسالةٌ وصلت متأخرة
- جراخ الازقة
- ذكرياتٌ من طُشّارِ العُمر
- بين السماء والأرض
- ذكريات راحلة
- مقهى عند شطّ العرب
- راديو أم خزعل
- جبار البنّاي… آخر حراس الطين
- عدسة مكسورة
- الكشك الأخير
- باب الدفترجي
- عود علّي


المزيد.....




- النوروز -عيد وطني-.. مرسوم سوري تاريخي يعترف بالكرد واللغة ا ...
- الممثلة المصرية جهاد حسام تتحدث لترندينغ عن -كارثة طبيعية-
- غزة تهز المشهد الثقافي الأسترالي.. ما هي قضية راندة عبد الفت ...
- ارتفاع الإيرادات وتوسع خارج أوروبا: من يراهن على السينما الف ...
- السينما سلاحا لمواجهة الآخر.. من ينتصر في الحرب الأميركية ال ...
- التاريخ تحت مقصلة السياسة.. أكبر متاحف أميركا يرضخ لضغوط ترا ...
- صبّ تماثيل الدب لمهرجان برلين السينمائي في دورته الـ76
- مدرسة غازي خسرو بك بسراييفو.. خمسة قرون من -حراسة الزمن-
- الحياة اليومية لأطباء غزة حاضرة بمهرجان صاندانس السينمائي
- كتاب (حياة بين النيران) … سيرة فلسطينية تكتب ‏الذاكرة في وجه ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - خطيئة السابع عشر