أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - الظلّ الذي قتل الحُب














المزيد.....

الظلّ الذي قتل الحُب


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8540 - 2025 / 11 / 28 - 00:37
المحور: الادب والفن
    


​لم تكن الغيرة في قلب «حسن» شعورًا عابرًا، بل ظلًّا طويلًا من الشك يمتدّ حتى داخل جدران بيته. كان يرى في زوجته «مريم» كل ما يطلبه رجلٌ من طيبة وحياء، لكنّ الخوف من فقدانها كان يكبّره حتى صار يشكّل عالمًا كاملًا في رأسه، عالمًا لا يسكنه سوى وساوسه.
​بدأ كل شيء ليلةً عادية حين لمح رسالة نصية. لم تكن مجرد تهنئة، بل كانت من رقم غريب غير مُسمّى وصلت في ساعة متأخرة، تقول ببساطة: "أتمنى أن تجد السعادة التي تستحقينها. مبارك لكِ ما حققتِه." لم يواجهها، بل ترك الغيرة تسرح داخله، تمدّ جذورها في صدره حتى صارت جزءًا من تنفّسه.
​وفي صباح اليوم التالي، حمل حسن ظلّه الثقيل معه إلى العمل. كان زميله «محمد» يضحك مع الموظفين. لم يكن حسن يسمع الضحكة، بل يرى فيها سخرية خفية موجّهة إليه مباشرة. وعندما اقترب محمد وسأله برفق:
– حسن… كلّ شيء بخير؟
انفجر حسن، وعيناه تضيّقان على محمد:
– لا تباوع عليّ بانتصار! أنا أعرف شنو بداخلك… ما يعجبك استقراري!
وقف محمد مذهولًا، يرفع يدَيه استسلامًا:
– حسن، لا تبني شي من خيالك… والله ما بينا شي.
لكن حسن ترك المكتب وصفق الباب خلفه، تاركًا خلفه همسًا حائرًا، وشكًّا أصبح مُجسَّدًا في زميل بريء.
​أما مريم، فكانت في المدرسة تعيش صراعًا آخر. في استراحة الظهيرة، جلست معها صديقتها «سعاد» تبكي همّ زوجٍ يشكّ بها. مسحت مريم دموعها وقالت بوجع خفيّ:
– سعاد… الرجل الذي يحمل شكًا لا يرى زوجته أبدًا. يرى فقط قفصه الخاص. الكلمة الهادية تداوي جرح ما يشوفه غيرچ.
ابتسمت سعاد بخجل، بينما شعرت مريم أنها تُعالج غيرها وقلبها يسير نحو الهاوية.
​وفي البيت، اشتد الضيق.
البيت الذي كان يومًا مليئًا بالضحكات صارْ يلفظ أنفاسه الثقيلة. كانت مريم تمشي بين الجدران وكأنها تمشي في ممرّ ضيق من العيون المُراقبة. حتى الأثاث بدا جامدًا ومُعادياً، وصدى خطواتها في الصالة كان أشبه بصفيرٍ خافتٍ يذكّرها بأن حسن لم يعد لها.
​وفي مساء ذلك الأسبوع، عاد حسن محمّلًا بعاصفة. وجدها تُصحّح دفاتر الطلاب، فسأل بجفاف قاسٍ:
– منو ذاك اللي دز لج الرسالة بذاك اليوم؟ وليش هالاهتمام بالرد؟
شرحت له مريم بهدوء، محاولةً لمس قلبه بدلًا من عقله، أن الرسالة كانت من إحدى طالباتها القدامى تهنئها على ترقية بسيطة. لكنه لم يسمع، فقد كان يسمع فقط صدى ظله.
تطايرت الدفاتر عن الطاولة. وقفت مريم ترتجف بصمتٍ يشبه انكسار زجاجٍ لا يُرى.
خرج حسن يلهث، كمن يهرب من مرآته.
تبعته مريم إلى باب الغرفة، أرادت أن تُطفئ اشتعاله بكلمة واحدة.. بلمسة واحدة... لكن الليل كان أسرع منها.
​وبعد دقائق، جاء الصوت الذي شقّ صدره نصفين، صوت جاره المرعوب:
– حسن… تعال بسرعة… مريم وقعت من السلالم… يمكن فقدت وعيها.
عاد يركض.
وجدها ممدّدة قرب الدرج، وجهها شاحب، ونبضها خافت. سقطت لأنها كانت تركض وراءه، خائفة عليه، لا تهرب منه.
جلس قربها، يرفع رأسها بمنديلٍ امتلأ بدمعه قبل دموعها. كان يمسك يدها كطفلٍ يخشى أن يفلت من يد أمّه. منتظرًا صوت الإسعاف من بعيد، شعر بأن الصفحات كلها انقلبت ضده، وأنه يقف على حافة خسارة لا رجعة منها.
​فتحت عينيها للحظة، وقالت بصوتٍ واهن خافت:
– حسن… لا تجعل هذا الظل يضيّعنا. أرجوك… لا تحاربني، أحبّني.
ثم أغمضت عينيها، تاركةً حسن أمام حقيقة مُرّة تقشعر لها الروح:
أنه لم يكن يحارب رجلًا آخر…
كان يحارب خوفه وظله الخاص.
والظل… هو الذي كاد يقتل الحب.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- غيلةُ الروح
- حين تعبر الريح مزرعة الحمّاد
- أنين الدار
- ​همسة الخلاص: الظل الثالث في السعدون
- الزهور التي تكذِب
- رسالةٌ وصلت متأخرة
- جراخ الازقة
- ذكرياتٌ من طُشّارِ العُمر
- بين السماء والأرض
- ذكريات راحلة
- مقهى عند شطّ العرب
- راديو أم خزعل
- جبار البنّاي… آخر حراس الطين
- عدسة مكسورة
- الكشك الأخير
- باب الدفترجي
- عود علّي
- ديوان تراتيل الفقد / ٣
- ديوان تراتيل الفقد / ٢
- ديوان تراتيل الفقد / ١


المزيد.....




- من حضارات المايا إلى نجوم الموسيقى العالمية.. حفل افتتاح ضخم ...
- -إسرائيل لم تعد مثالية-.. تراجع خجول في موقف الممثلة البريطا ...
- مدفيديف: هجمات القوات الأوكرانية على المواقع الثقافية والتار ...
- جهود مكثفة في سيفاستوبول لإصلاح المتحف البانورامي التاريخي ب ...
- موسكو.. اليوم الأخير من معرض -أيام الثقافة السودانية-
- مهرجان -التقاليد والحداثة- يفتتح أبوابه في موسكو بمشاركة دول ...
- بوتين يمنح جائزة الدولة الروسية لصاحب -تاريخ السعودية- و-مصر ...
- -دوستويفسكي يمكن اعتباره كاتبا مصريا-.. مكانة راسخة للأدب ال ...
- موسكو تعود إلى الماضي.. رحلة عبر الزمن في مهرجان -الأزمنة وا ...
- المغرب.. استعراض فيلم وثائقي عن التراث الثقافي الروسي


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - الظلّ الذي قتل الحُب