أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - غيلةُ الروح














المزيد.....

غيلةُ الروح


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8539 - 2025 / 11 / 27 - 14:56
المحور: الادب والفن
    


​قصة قصيرة

​لم تكن الغيرةُ في قلب «حسن» مجرّد شعور، بل كانت شبكةً من الخيوط الخفية تنسج حول علاقتهما جداراً عازلاً. كان يرى زوجته «مريم» نقية كبياض الثلج، لكنّ عيونه كانت عدسَة مُكبِّرة، تلتقط أبسط تفاصيل يومها وتحوّلها إلى تهمة محتملة.
​كانت شرارة الشك قد انقدحت منذ أسابيع؛ لا بـ"رسالة تهنئة"، بل بنبضة هاتفية قصيرة التقطها حسن في الظلام، بينما كانت مريم نائمة. منذ تلك اللحظة، تحوّل حسن إلى ظلٍّ يراقب، وتغيّرت نبرة صمته في البيت. صار يسير حذراً، وكأنه يخشى أن تصدر الجدران صوتاً يفضح سراً لا وجود له.
​أما مريم، فكانت تلاحظ برودة الفراغ بينهما. لم يعد الأمر يقتصر على نظراته، بل امتد إلى طريقة تناوله للطعام، وكيف كان يقلب صفحات الجريدة بضجر مصطنع عندما تحاول الحديث. شعرت بأن كل زاوية في المنزل تشيخ فجأة، وبأنها تخسر بيتها لعدو خفي لا تستطيع رؤيته أو مواجهته.
​وفي مساء خريفي، حين كان المطر يهزّ النافذة بعنف، جلست مريم تصحّح دفاتر تلاميذها، تنثر حولها أقلام الرصاص والهدوء. جلس حسن على الكنبة المقابلة، يراقبها وهي تحرّك شفتيها في تركيز. لم يأتِ سؤاله هذه المرة مفاجئاً، بل كان خروجاً مزمجراً لتوتر طويل.
​قال حسن، وعيناه لا تريان الدفاتر:
– لستِ مُنشغلة بالتصحيح، مريم. أنتِ تهربين من شيء.
​رفعت مريم رأسها ببطء، وفي عينيها مزيج من الحزن والتعب، وقد سئمت اللعبة:
– أنا مشغولة بحياتي التي تذبل تحت غيومك يا حسن. ماذا تريد تحديداً؟ من هو هذا الذي تبحث عنه في هاتفي ودفاتري؟
​في لحظة، تحوّل صمته الثقيل إلى اندفاع وحشي. لم يعد يرى مريم، بل رأى خياله المريض متجسداً أمام عينيه. اندفع نحو الطاولة، بعثر الدفاتر والمصاحح، ثم امتدت يده إلى هاتفها الذي كان بجوارها، فانتزعه ورمى به نحو الحائط بقوة.
​صَرَخت مريم صرخة مكتومة، لم تكن صرخة خوف بقدر ما كانت صرخة يأس. لم تَعُد تستطيع الاحتمال. وقفت أمامه، وجهاً لوجه، وأخيراً قررت أن تفعل شيئاً يتجاوز الدفاع الهادئ.
​– سأذهب يا حسن.
​لم يستوعب معناها إلا بعدما رأى الخطوات الحازمة التي اتجهت نحو باب المنزل. تحرّك جسده تلقائياً، أراد أن يوقفها، أن يقول لها إنه يحبها، لكن يده سبقت لسانه. أمسك بذراعها ليمنعها من فتح الباب. كانت مريم تُصارع قبضته التي غرست أصابعها في لحمها. وفي خضم الدفع والجذب، فقدت مريم توازنها وسقطت على حافة المدخل الحجرية، ثم تدحرجت بضع درجات نحو الأسفل في الظلام، لتسكن تماماً.
​رأى حسن الدماء تسيل قرب رأسها، ورأى الغياب الفجائي للحركة. جثا قربها، واهتزّ جسده كله. لم يكن يريد لها السقوط. لم يكن يريد شيئاً سوى أن تظلّ ملكه.
​احتضن رأسها الهامد بين يديه، ودموعه تسيل حارقة على خدّها البارد.
– مريم… سامحيني… لم تكن الغيرة هي القاتل… بل أنا الذي لم أثق بحبي.
​فتحت مريم عينيها بصعوبة، نظرت إليه بنظرة خالية من الاتهام، وكأنها أدركت أخيراً سبب كل شيء. نطقت بصوت بالكاد سمع:
​– لم يكن شيئاً ليقتُلني… سِوى… خوفك مني.
​ثم أغمضت عينيها وغابت.
​وبقي حسن وحده في برودة المدخل، لم يعد يحمل وزر غيرة، بل يحمل وزر يده التي قطعت الحبل الأخير، فخسر حبه، وخسر روحه، وحكم على نفسه بالعزلة الأبدية مع صوت الغضب الذي لا يمكن إسكاته.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تعبر الريح مزرعة الحمّاد
- أنين الدار
- ​همسة الخلاص: الظل الثالث في السعدون
- الزهور التي تكذِب
- رسالةٌ وصلت متأخرة
- جراخ الازقة
- ذكرياتٌ من طُشّارِ العُمر
- بين السماء والأرض
- ذكريات راحلة
- مقهى عند شطّ العرب
- راديو أم خزعل
- جبار البنّاي… آخر حراس الطين
- عدسة مكسورة
- الكشك الأخير
- باب الدفترجي
- عود علّي
- ديوان تراتيل الفقد / ٣
- ديوان تراتيل الفقد / ٢
- ديوان تراتيل الفقد / ١
- المقهى الأخير


المزيد.....




- طارق كفالة… إدارة هادئة في قلب تحولات BBC الكبرى
- حكاية مسجد.. -المنارتين- يجمع العبادة والمعرفة في المدينة ال ...
- وفاة الممثل روبرت كارادين عن عمر يناهز 71 عاماً
- من غزة إلى واشنطن.. ريتشارد فولك يرثي عدالة العالم المحتضر
- السِمفونية الأولى للموسيقار الفنلندي سيبليوس التي رَسَمت مَل ...
- ما بعد -خطيئة حزب الله السورية-.. ساطع نور الدين يستشرف هوي ...
- رابط وخطوات تسجيل استمارة الدبلومات الفنية 2026 عبر موقع وزا ...
- تركي عبيد المري.. صوت السكينة الذي يحتضن قلوب المصلين في قطر ...
- نص سيريالى بعنوان( حَنجرَة تعضُّ ظِلَّها) الشاعر محمد ابوالح ...
- حكاية مسجد يرممه أهالي مدينة -جينيه- في مالي كل عام


المزيد.....

- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - غيلةُ الروح