أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - جراخ الازقة














المزيد.....

جراخ الازقة


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8532 - 2025 / 11 / 20 - 18:58
المحور: الادب والفن
    


حينَمـا كانت الشُفراتُ تلمعُ في ذاكرة بغداد

مقدمة
في أحياء بغداد القديمة، كانت المهن البسيطة تحمل روح الحياة، وتغزل خيوطها في ذاكرة الناس.
مهنة الجراّخ لم تكن مجرد سنّ سكاكين، بل جزءاً من إيقاع المدينة، من صوت الأزقة، من التفاصيل التي انقرضت، لكنها بقيت حيّة في قلوب من عاشوها.
هذه القصة تعيد إحياء زمنٍ كان فيه النداء على حجر السنّ أشبه بموسيقى يومية، وتروي حكاية حبّ خجول وُلد في صمت، وانطفأ بصمت… لكنه بقي شرارة لا تُنسى.

القصة
كان محمود الجرّاخ يجوب أزقّة بغداد القديمة، يحمل حجره الدوّار وعلبته الحديدية، وصوته يسبق قدميه:
“جـــــرّاخ… سنّ السجاجين… جرّاخ…”
صوتٌ مألوف في زمنٍ كانت السكاكين فيه تُسنّ أكثر من مرة في الأسبوع، وكانت البيوت عامرة بالطبخ، والزمن أبطأ وأقرب للقلب.

دخل محمود محلة السفينة في الاعظمية ببغداد في ظهيرة قائظة.
وعندما اقترب من دكان الحاج عبّود، رأى مجموعة رجال يحتسون الشاي، ويتبادلون الحديث.
لكن الحديث سكن فجأة عندما لمحت أعينهم الغريب.
اقترب أحدهم، بنبرة فيها تحذير أكثر من الغضب:
— “أخوي… المحلّة إلها أهلها. نسوانا يوكفن بالباب…
فخلّك على شغلك، ولا تطوّل النظر.”
ردّ محمود بخفض رأسه:
— “آني جراّخ… شغلي بالسجاجين بس.”
تدخّل الحاج عبّود بحزمٍ أبوّي:
— “اشتغل… بس تكمّل روح دور على رزقك. الغريب لازم يعرف حدوده.”
فهم محمود الرسالة كما يفهم حدّ السكين صوت الحذر:
اعمل… وروح… ولا كل ساعة جاي أهنا .

خرجت أم آمنة من باب نصف مفتوح، تحمل سكيناً قديمة:
— “ابني… هاي السچين تعبت.”
أخذ محمود السكين باحترام، وابتعد كي لا يُقال إنها أطالت الوقوف عند الغريب.
أما آمنة فكانت خلف الستارة، تراقب حركة يديه، وتحسّ بشيء غريب داخلها كلما دار حجر السنّ وشرقت منه شرارة صغيرة.
كان محمود يشعر بنظرة خفيفة تأتيه من بعيد… لكنه لا يجرؤ أن يرفع عينيه.
حبّ صغير ينمو في صمت
لم يحدث كلام بينهما…
لكن القلوب تعرف طريقها دون لغة.
كانت آمنة تقول لأمها كلما سمعت صوته من آخر الزقاق:
— “يمّه… السچين محتاجة سنّ… أروح أجيبها.”
فترد أمها بنبرة تفهم أكثر من الظاهر:
— “روحي… بس لا تطولين الوكفة.”
وعندما يخلو البيت ليلاً، تحادث آمنة نفسها:
“ليش هالقلق؟ ليش كلبي ينشدّ على واحد ما يعرف حتى اسمي؟
يمكن فُقره يمنعه… يمكن الزمن ما يساعد…
بس ليش حضوره يحرك شي جوّا روحي؟”

ذات يوم، كان محمود يمرّ مسرعاً، فوقف رجال الحي نفسهم أمامه، يتقدمهم رجلٌ غليظ الصوت:
— “ها… بعدك؟ شنو، المحلّة صارت بيتك؟”
وقال آخر وهو يلوّح بيده بطردٍ غير مباشر:
— “شوف غير محلة… أهلنا ما يحبّون الغريب يتردد هواي.”
لم يحتج محمود لسماع المزيد.
جمع أدواته ومضى…
ومضى إلى الأبد.
لم يعد صوته يُسمع بعد ذلك اليوم.

كانت آمنة تجلس كل صباح عند عتبة الباب بحجة التنظيف.
وفي الليل، تقف عند الشباك، تُرهف السمع لأي صوت يشبه نداءه.
قالت لصديقتها سُهى بخجل:
— “سهى… ما شفتي الجراخ؟ صار أيّام ما إجا…”
ابتسمت سُهى بخبث لطيف:
— “وچ دورتي عليه؟”
فتخفض آمنة رأسها:
— “بس… السچينه خربانه.”
لكن قلبها كان يعرف الحقيقة…

في الليل، وهي مستلقية قرب أمها، تفتح قلبها لنفسها:
“لو بس سألت عليه… لو خليته يعرف إنّي أنتظر صوته…
بس شلون؟ البنية ما تحچي… والناس ما ترحم…
راح… يمكن ما يرجع…
شلون أقنع كلبي ينسة؟”

مرّت السنوات، واختفت مهنة الجراّخة كما اختفت عربات السقاء وباعة الثلج.
لكن آمنة تعلمت شيئاً ظلّ يسكنها حتى كبرت:
أن بعض الأصوات تمرّ في حياتنا مرّة واحدة…
وإن لم نمسكها في اللحظة المناسبة،
فإنها تختفي كما اختفى صوت الجراّخ من الزقاق…
ويبقى أثرها فقط في القلب.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ذكرياتٌ من طُشّارِ العُمر
- بين السماء والأرض
- ذكريات راحلة
- مقهى عند شطّ العرب
- راديو أم خزعل
- جبار البنّاي… آخر حراس الطين
- عدسة مكسورة
- الكشك الأخير
- باب الدفترجي
- عود علّي
- ديوان تراتيل الفقد / ٣
- ديوان تراتيل الفقد / ٢
- ديوان تراتيل الفقد / ١
- المقهى الأخير
- حِذاءُ كريم
- بائعة الساعات
- سجّان بلا مفاتيح
- صوت الطاحونة القديمة
- دعاء الكروان عند باب الغياب
- ظلّ تحت الجسر


المزيد.....




- الرحم الاصطناعي وهندسة الجنين.. هل تبتلع الآلة -مركزية- الإن ...
- الفن والكلمات.. أمسية ثقافية في تعز تفتح أبواب الذاكرة والأل ...
- استذكار الشاعر الكبير مظفر النواب في جمعية المهندسين
- ترقب في دمشق لإعلان تشكيلة البرلمان الجديد: حصة رئاسية لتعوي ...
- محمود سعيد.. رائد الحداثة التشكيلية الذي صهر الضوء الأوروبي ...
- -تيلا برازيل-.. منصة مجانية لبث إنتاج السينما والتلفزيون بال ...
- بمعرض وعروض سينمائية ومزاد علني... هوليوود تحتفل بمرور مائة ...
- أقدم حضارات الأرض.. حين اخترعت -المدينة- من سومر ومصر إلى بي ...
- إحياء الذاكرة النقدية: طبعة جديدة لمرجع سلمى خضراء الجيوسي ف ...
- منار نجاة في كابل.. صراع الذاكرة التاريخية وضرورات التطوير ب ...


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - جراخ الازقة