أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ريح الحنوب في قلب المستنصرية














المزيد.....

ريح الحنوب في قلب المستنصرية


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8541 - 2025 / 11 / 29 - 09:41
المحور: الادب والفن
    


​حين أدارت سعاد المفتاح في قفل الشقة للمرة الأولى، أصدر الباب صريراً قديماً كأنه يعترض على القادمين. لم تكن تحمل سوى حقيبة جلدية مهترئة الأطراف، لكن ثقلها كان يوحي بأنها تجرّ خلفها ميسان بأكملها. وضعت الحقيبة قرب السرير المعدني، ومسحت جبينها. كان في الغرفة صمت ثقيل، صمت يشبه ذاكرة صوت "حسين نعمة" الحزينة وهي تُردد في داخلها: يا طيور الطايرة… مري بهلي.
​بعد ساعة، تغيّرت رائحة البيت؛ تراجعت رائحة الرطوبة وحلّت محلها رائحة حمضيات نفاذة. دخلت سلوى تدفع الباب بكوعها، فيدها مشغولة بصندوق كارتوني مليء بالبرتقال. ألقت الصندوق في زاوية المطبخ، والتفتت إلى سعاد المنكمشة قائلة بهدوء: "الغربة ما تخوّف... الخايف أكثر هو اللي ينترك وراك." ثم مدت نصف برتقالة لسعاد، كأنها تقدم لها حصتها من أرض بعقوبة.
​فُتح الباب للمرة الثالثة بهدوء مدروس. سوسن. ملابسها كانت مكوية بعناية مبالغ فيها، وحذاؤها يلمع. في يدها هاتف يضيء باسم "الحجي" بشكل متكرر. لم ترد، بل قلبت الهاتف على وجهه فوق الطاولة، وتنفست بعمق كأنها تتنفس الحرية للمرة الأولى.
​أما منى، فقد دخلت وكأنها تعود إلى بيتها القديم لا إلى سكن جديد. ضحكتها العالية ملأت المكان. لكنها أخرجت إطاراً خشبياً صغيراً لرجل بملامح وقورة. مسحت زجاج الإطار بطرف كمّها برفق شديد، وضعته قرب وسادتها، ثم عادت لتسأل بملل: "يا الله... ماكو أحد سوه چاي؟"
​في تلك الليلة، كان الصمت هو الحوار الوحيد. سعاد تراقب بخار الشاي الشارد، وسوسن تدير الخاتم الفضي بتوتر، وسلوى تراقب هاتفها، وكلهن أدركن أن هذا البيت لن يكون مجرد سكن.

​في أروقة الجامعة المستنصرية، حيث يمتزج الطابوق الأصفر بضجيج الطلاب، لم تكن سعاد تستمع حقاً للمحاضر. كان قلمها يخط دوائر متداخلة ومشوهة. حين سقطت ورقة مطوية من بين صفحات كتابها، تجمدت يدها. عرفت الخط المائل، الحبر الأزرق الذي تعرف رائحته. ارتعشت أطراف أصابعها، سارعت بالخروج قبل أن يلحظ أحد شحوب وجهها الذي صار بلون الجدار.

​في المختبر، كانت سلوى تعمل. كانت تراقب جيبها طوال الوقت، تنتظر اتصالاً من ديالى. حين رن هاتفها برقم من البيت، انطفأت الابتسامة. ردت بكلمات مقتضبة: "شلون صار اليوم؟ الدوه وصل؟ زين... لا، ما أريد شي... ديري بالج على روحچ." أغلقت الخط، ونظرت إلى يديها؛ لم تكن ترى طلاء الأظافر، بل كانت ترى تربة تنتظر من يرويها.

​قرب النافورة، كانت سوسن تجلس. ترفض الرد على رسائل العائلة. التقى بها سامر، جارهم. لم يسألها عن الحزن مباشرة، بل أشار إلى قبضتها المرتخية: "قبضتج كلش قوية على التلفون، ليش؟" أرخت قبضتها ببطء، وتنهدت كأنها كانت تحبس الهواء منذ الصباح.
​منى كانت تلتقط الصور السيلفي أمام المكتبة المركزية، ضحكاتها لا تتوقف. لكن حين انتهى الدوام، وقفت للحظة طويلة تحدق في الفراغ، تراقب الطالبات اللواتي ينتظرهن أهاليهم عند البوابة، ثم استدارت ومشت وحدها نحو البيت بخطوات أثقل.
​عاد الظلام ليغمر البيت الأبيض مع انقطاع التيار الكهربائي. في ضوء شمعة وحيدة، تكشفت الحقائق.
​سعاد وضعت هاتفها على الطاولة، بعد أن قرأت خبر زواج حبيبها. لم تصرخ، لكنها سحبت نفسها نحو المطبخ وسكبت الماء وهي ترتجف حتى فاض الكوب على يدها.
​سلوى كانت تكوّم ملابسها في الحقيبة بعشوائية. "أبوي بالمستشفى، لازم أروح... بس عندي امتحان!" قالتها وهي تربط خيوط حذائها بقوة كأنها تستعد لحرب.
​سوسن كانت جالسة على الأرض، تتلقى صوراً لأوراق عقد القران. الهاتف يرن. يرن. نظرت إلى الشمعة المرتجفة. فجأة، سمعن طرقات قوية وغريبة تهز الباب الخارجي. صوت رجل غريب، وحركة مقبض الباب.
​تجمّعن في الممر. الخوف شلّ حركتهن. فجأة، سحبت سوسن هاتفها ودقت على آخر رقم متصل. لم تنتظر الإجابة. صرخت بأعلى صوتها بنبرة آمرة: "ها، خويه! تعال بسرعة. اكو واحد غريب دا يراقبنا."
​لم يأتِ أحد من الهاتف، لكن صرخة سوسن خلقت وهماً. تردد الرجل في الخارج للحظة. في تلك اللحظة، ظهر سامر، جارهم، وكان عائداً من الجامعة. سمع الضجة ورأى خيال الرجل المتردد عند الباب. اقترب سامر وقال بصوت عالٍ وحاد: "شتريد؟ روح منا لا أصيح الشرطة!" سمعن صوت خطوات تهرول مبتعدة. عاد سامر يطمئنهن من خلف الباب: "كلشي ماكو، راح. هذا چان دا يشوف البيت. لا تخافن."
​في صباح اليوم التالي، تغير المشهد.
سعاد أحرقت الرسالة ورمادها في المنفضة. "بعد ماكو رجعة."
سلوى حملت حقيبتها. قبل أن تخرج، قالت: "راح أرجع أقوى، الأرض تصبر."
سوسن فتحت هاتفها واتصلت بأمها. لم نسمع صوت الأم، لكننا رأينا سوسن تقول بوضوح وثبات: "يمة، گولي لابن عمي لا ينتظر. أني ماراح أرجع."
منى علقت صورة والدها على الحائط وخرجت للشرفة لتستقبل الشمس، ضحكتها كانت الآن حقيقية.
​جلسن على السطح، والليل يغطي بغداد. قالت سلوى: "أحسن شي سويناه هو من صرنا سوية."
ردت سوسن، وهي تنظر إلى الأفق المتوهّج:
"أجمل ما في هذا البيت... إنه جمع أربع رياح... وخلاّها تسكن."



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الظلّ الذي قتل الحُب
- غيلةُ الروح
- حين تعبر الريح مزرعة الحمّاد
- أنين الدار
- ​همسة الخلاص: الظل الثالث في السعدون
- الزهور التي تكذِب
- رسالةٌ وصلت متأخرة
- جراخ الازقة
- ذكرياتٌ من طُشّارِ العُمر
- بين السماء والأرض
- ذكريات راحلة
- مقهى عند شطّ العرب
- راديو أم خزعل
- جبار البنّاي… آخر حراس الطين
- عدسة مكسورة
- الكشك الأخير
- باب الدفترجي
- عود علّي
- ديوان تراتيل الفقد / ٣
- ديوان تراتيل الفقد / ٢


المزيد.....




- انطلاق الدورة الثانية والعشرين لمهرجان مراكش الدولي للسينما ...
- وقائع واحداث منبجسة من نسيج الواقع.. وممضاة بدماء شهداء فلسط ...
- آراء متباينة حول الإعلان الترويجي لفيلم -الست- المرصع بالنجو ...
- -أفلام ميوز-.. ميلانيا ترامب تطلق شركة إنتاج قبل إصدار فيلم ...
- -الزمن تحت الخرسانة- المخيم كعدسة لقراءة المشروع الاستيطاني ...
- الاحتلال يخسر -الفضاء الأزرق-.. وصعود الرواية الفلسطينية يثي ...
- الثقافة: الفيلم المرشح للأوسكار
- إسبانيا: اعتقال الراهبة لورا غارسيا بتهمة تهريب الأعمال الفن ...
- الأمير مولاي رشيد: مهرجان الفيلم بمراكش منصة للحوار وإبراز ا ...
- كهوف الحرب وذاكرة الظلمات اليابانية الغارقة -تحت الأرض- في ق ...


المزيد.....

- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية
- الذين باركوا القتل رواية ... / رانية مرجية
- المسرواية عند توفيق الحكيم والسيد حافظ. دراسة في نقاء الفنون ... / د. محمود محمد حمزة
- مداخل أوليّة إلى عوالم السيد حافظ السرديّة. الطبعة الثانية / د. أمل درويش
- مشروع مسرحيات مونودراما للسيد حافظ. اكسبريو.الخادمة والعجوز. ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ريح الحنوب في قلب المستنصرية