أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - الجسد الذي عاد والروح التي لم تعد















المزيد.....

الجسد الذي عاد والروح التي لم تعد


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8549 - 2025 / 12 / 7 - 21:55
المحور: الادب والفن
    


​كانت بغداد في ذلك الشتاء تشبه مدينةً تتردّد في الاعتراف بأسرارها؛ غبار خفيف يغطي الشوارع كالكتمان، وضوء شاحب ينساب على جدران الدوائر الحكومية.
في دائرة الإعمار، كان المهندس سالم يقلب ملفات مشروع جديد حين ظهرت أمامه مخالفات صارخة.
​دخل على مديره غالب وقال بهدوءٍ يشبه بداية عاصفة:
– أستاذ… هاي العقود بيها لعب. ما يصير نمشي عليها.
أغلق غالب الملف كأنه يخنق صوته:
– سالم… أنت موظف، تسجّل وتوقّع. لا تكبّر السالفة.
أجابه سالم بإصرار:
– السالفة كبيرة من الأساس. وإذا وقّعنا، نتحمّل مسؤولية فساد.
لم يقل غالب شيئًا؛ اكتفى بنظرةٍ باردة جعلت سالم يدرك أن صوته الصارخ بالحق قد كلّفه ثمنًا باهظًا مقدّمًا.

​بعد أيام، وُجد موظف شاب مقتولًا. هاتف سالم كان قرب الجثة. لم يستطع سالم أن يصرخ ببراءته؛ كأن الصدمة حجّرت لسانه، وأصبح فريسة لتهمة جاهزة لم يبذل غالب جهدًا في إخفاء تدبيرها.
​وعندما علمت منى، خطيبته، ركضت نحو مركز الشرطة، تخترق الزحام والضجيج في قاعة السجن.
جلست أمامه، يداها ترتجفان.
– سالم… أحچي. شنو صار؟
قال وهو ينظر الى الأرض:
– تهمة جاهزة، منى. غالب دبرها.
فغطّت يدَه بين يديها:
– ما أخليك. لو حتى لو أمشي كل بغداد… أظل أدوّر على براءتك.

​ذهبت إلى المحامي واثق، رجل تعرفه المحاكم بقدرته على حلّ أعقد القضايا، وبحذر بسبب ميله للوقوع في شَرك النساء.
حين دخلت عليه، وقف دون إرادة منه. بدا عليه الارتباك لأن حزنها كان واضحًا كغيمة فوق عينيها، يغطي جمالها بقسوة.
– أستاذ… أني خطيبة سالم. مظلوم… وأحتاج إنصاف.
جلس واثق ببطء، كمن يحاول أن يبدو أقل اهتمامًا مما يشعر:
– رح أستلم القضية. مو بس دفاعًا عنه... دفاعًا عن كل كلمة حق تنخنق بالملفات.
​بدأت اللقاءات تتكرر. كان واثق يسعى لإيجاد ثغرة قانونية، وكانت منى تسعى لإيجاد خيط من نور في الظلام. لاحظ واثق كيف أن قلبه يتقدم خطوة نحوها في كل مرة تستعرض فيها قوة إرادتها في مواجهة العجز.
كان يسجل التفاصيل القانونية بصبر، بينما كانت عيناه تسجلان تفاصيل وجهها المتعب.
​في أحد الأيام، جلست أمامه منهكة.
– تعبت، أستاذ. غالب متحصن، والقتيل مجهول الهوية. ماكو شي يربطهم بسالم.
تنهد واثق، لأول مرة تنكشف ملامحه أمامها بعيدًا عن ثياب المحامي:
– لا تيأسين. القضية تحتاج مفتاحاً خارج قاعة المحكمة. والفساد دائمًا يترك بقايا تلتهمه.

​لمعت عينا منى؛ كانت تبحث عن الخيط الذي أشار إليه. ساعدتها صديقتها رنا، الموظفة في الدائرة، بمعلومة مشوشة:
– زهراء… سمعت شي. يوسف، مدير مكتب غالب، ديسولف بغرور عن علاقته... أظن بزوجة غالب. السالفة لا تتركيها.
شعرت منى بأن هذا قد يكون نقطة ضعف، لكنها لا تزال تحتاج دليلًا. بدأت تراقب ببطء وتأنٍّ، وقلبها يقرع كطبول عاشوراء مع كل خطوة.
​وفي يوم جمعة، بعد مراقبة استمرت أسابيع، رأت زوجة غالب تدخل عمارة في المنصور، لكن ليس مع يوسف، بل مع شخص آخر! انتظرت زهراء تحت المطر، حتى بدا اليأس يزحف نحوها.
​وفي اليوم التالي، ظهر يوسف وهو يخرج من سيارته الفارهة ليصافح الزوجة أمام عمارة أخرى. لقد كانت علاقات الزوجة متعددة ومشبوهة، لكن يوسف كان الحلقة الأضعف بحكم قربه من غالب.
تبعتهما منى بخطوات خفيفة. وعندما انفتح باب شقة في الطابق العلوي، ظهرت الزوجة تضع يدها على كتف يوسف، والابتسامة بينهما لم تكن قابلة للتأويل. التقطت منى صورة واحدة... كانت كافية لهدم حصن غالب.
​قدّمتها لواثق، ويدها تُخفي ارتجاف قلبها وتعب الأشهر.
– هاي… الدليل اللي كنت تدوره.
أمسكها واثق ببطء، وكأنه يمسك مصيرًا كاملاً بين أصابعه.
– مو بس دليل… هذا مفكّ لقفل كبير.
​قرر واثق مواجهة غالب على الفور في مكتبه الخاص.
– انتهت لعبتك، أستاذ. عندي اللي يخليك ما ترفع راسك بعد.
احمرّت عينا غالب:
– منو جابلك الصورة؟
ضحك واثق بسخريةٍ هادئة:
– الحقيقة... والحقيقة أمكر منك.
​كان ذلك الضرب الأخير. غالب، الذي بنى فساده على جدران هشة، لم يستطع تحمل انهيار جدار بيته. وما هي إلا أسابيع حتى أعلنت المحكمة براءة سالم، بعد اعتراف غالب تحت الضغط.

​خرج سالم نحيلًا، كأن السجن لم يحتجز جسده فقط، بل أعاد تشكيل روحه. كان يمشي بتردد، كمن يخاف أن تخونه الأرض بعد أن خانته الحياة.
​اقتربت منه منى عند الباب، عيناها تفيضان بالدموع والراحة:
– الحمد لله على سلامتك… حبيبي رجعت إليّ.
نظر إلى عينيها طويلًا، لكنه لم يستطع الاقتراب.
– منى… السجن يدخل للروح. يحوّل كل شي نعرفه لشي غريب.
قالت وقد ضاق نفسها:
– كل هالوقت كنت أدوّر أدلة. يوم غبت بيه… هو اليوم اللي حصلت الصورة.
أخفض رأسه:
– أدري. لكنّي تهدمت. مو لأنك غلطتِ، بل لأنني أصبحت ضعيفًا، وأصبحتُ أرى كل شيء بمنظار الشك واليأس الذي زرعه السجن. لا أستطيع أن أعود نفس سالم الذي عرفتيه. لم يعد لديّ ما أقدّمه لكِ بعد كل تضحيتك.
كانت عيناه مثل نافذة مكسورة؛ يمكن رؤية ما خلفها، لكن لا يمكن الوصول إليه.
ثم استدار ومضى وحيدًا.
​بعد أيام، دخلت منى مكتب واثق.
نظر إليها وكأنه يخشى أن ينبس بكلمة.
– سالم رجع، بس إنتِ…؟
جلست بصمت، ثم قالت:
– رجع جسد… بس روحه ما رجعت. حسّيت روحي صارت يتيمة.
تنهد واثق، وتوقّف عن محاربة نفسه للحظة:
– منى… كل يوم أحارب نفسي حتى أبقى محامي وبس. لكن الحياة لا تنتظر أحدًا.
رفع واثق عينيه نحوها، وقال بصوت منخفض، أقرب للاعتراف منه للكلام:
– إذا تبقين… أبقي لأن قلبچ يدور بداية جديدة تليق بشجاعتكِ. مو لأن أحد رجع وانكسر.
​خرجت ببطء، كمن يغادر غرفة مضاءة إلى شارع لا يعرف ملامحه، تاركة خلفها قرارًا لا يقل صعوبة عن نسيان الحب القديم.
وبقي واثق ينظر إلى الباب المغلق، يدرك لأول مرة أن الحقيقة لا تُنصف الناس فقط… بل تعيد ترتيب مصائرهم.
​وفي بغداد، تبقى الحقيقة مثل مصباح في نهاية زقاقٍ ضيّق؛ لا تمنع الظلام، لكنها تقود من يملك الشجاعة ليمشي نحوه.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أبنة الضوء والصفعة
- طفل أطفأته بغداد
- ميراث الريح
- أنسحاب الضوء
- على ضفة نهر العشار
- ظلّ عند بوابة الشقائق
- ظل سمر
- خطيئة السابع عشر
- الهروب .... وعودة الروح
- ريح الحنوب في قلب المستنصرية
- الظلّ الذي قتل الحُب
- غيلةُ الروح
- حين تعبر الريح مزرعة الحمّاد
- أنين الدار
- ​همسة الخلاص: الظل الثالث في السعدون
- الزهور التي تكذِب
- رسالةٌ وصلت متأخرة
- جراخ الازقة
- ذكرياتٌ من طُشّارِ العُمر
- بين السماء والأرض


المزيد.....




- رحيل عاشق الطبيعة الموصلية الفنان الرائد بشير طه
- الحرب على إيران تربك موسم السينما في الخليج وهوليود تترقب
- وزيرة الثقافة المصرية تطمن جمهور هاني شاكر على صحته
- السينما في زمن القلق: مهرجان سالونيك يعيد فتح دفاتر التاريخ ...
- موسم العمالقة.. 10 أفلام تشعل مبكرا سباق السعفة الذهبية في - ...
- صراع الأجيال في الرواية: قراءة نقدية بين المركزية الغربية وا ...
- ما وراء الرصاص: التداعيات الفكرية والمذهبية للمواجهة مع إيرا ...
- صدريات مخملية وعطور وسلاسل ذهبية تكشف شغف تشارلز ديكنز بالمو ...
- بين الموسيقى والوجوه.. الذكاء الاصطناعي يغزو الدراما المصرية ...
- رمضان في مرآة الأدب.. قراءة في أربع تجارب إسلامية


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - الجسد الذي عاد والروح التي لم تعد