أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - أصوات تحت الركام / ٢














المزيد.....

أصوات تحت الركام / ٢


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8569 - 2025 / 12 / 27 - 21:24
المحور: الادب والفن
    


الملف
​لم ينهَر فوقه سقفٌ من خرسانة، ولم تتهاوَ على رأسهِ أعمدةُ البيت؛ لكنَّ شيئاً أثقل من الإسمنت كان يطبقُ على صدره كلما أطلَّ صباح: الملفُّ الأزرق.
​كان "عيسى" يسبقُ الضوء إلى مكتبه. يفتح النوافذ ليطرد رائحة الركود، ويشغل المراوح لعلها تحرك ليل البيروقراطية الثقيل. لم يكن يطمح للقداسة، لكنه كان يؤمن أن "العمل النظيف" هو آخر خندقٍ يحمي ما تبقى من كرامته. كان يرتب المعاملات كما يرمم حيوات الغرباء، بقدسيةٍ لا يفهمها سواه.
​على الضفة الأخرى، كان رئيسه المباشر بارعاً في هندسة الصمت؛ رجلٌ يتقنُ الابتسام في الاجتماعات، ويبرعُ في اختلاسِ الأرقام دون أن يترك بصمةً واحدة. هناك، كانت التواقيع تمرُّ كالأشباح، والأموال تتسرب من المسامات الضيقة للمعاملات مثل ماءٍ يغور في رمل.
​حين اكتشف "عيسى" الثقب، لم يفكر في البطولة الزائفة، بل لاذ بالصمت. قال لنفسه: "أنا مجرد ترسٍ صغير، أقوم بواجبي فقط". لكنه لم يدرك أن الفاسدين لا يخشون الصارخين بقدر ما يخشون "الشاهد الصامت". فالصمت في حضرة الجريمة هو مرآةٌ تعكس قبحهم، وهم لا يحبون المرايا.
​بدأ الركام يتساقط عليه حجرًا حجرًا، في شكل تقارير مسمومة مغلفة بلغةٍ إدارية مهذبة: "قلة تعاون"، "ضعف في الاندماج"، "أداء لا يواكب المرحلة". كان يشعر بكل سطرٍ يُكتب كأنه حجرٌ يُوضع فوق صدره وهو حيّ.
​في يومٍ مشحون بالبرودة، استدعاه المدير. مكتبٌ فاره، ستائر مخملية تحجبُ الحقيقة، وصورة كبيرة تراقب المكان. قال له بابتسامةٍ خالية من الروح:
— "أنت موظف مجتهد يا سيد عيسى.. لكن يبدو أنك ترفض فهم (آلية) التروس هنا".
فهم عيسى كل شيء؛ المطلوب ليس الكفاءة، بل "الانحناء" أو "الشراكة".
​عاد إلى مكتبه، وجلس أمام ذلك الملف الأزرق. شعر باليتم الأدبي؛ حتى زملاؤه صاروا يتجنبون تقاطع النظرات معه. الخوف في تلك الدائرة كان معدياً، والمنبوذ تحت ركام الإدارة لا بواكي له. في البيت، كانت زوجته ترقبُ ذبوله وتسأل: "لماذا انطفأت؟". لم يحر جواباً، فكيف يشرح لها أن الظلم لا يترك كدماتٍ على الجلد، لكنه يكسر العمود الفقري للروح ويتركها عرجاء؟
​بعد أسابيع، نُفيَ إلى مخزنٍ مهمل في قبو الدائرة. مكانٌ يسكنه الغبار والنسيان، بعيداً عن الورق، بعيداً عن الناس، وبعيداً عن أي شاهد. حين وقّع ورقة النقل، شعر بصوت ارتطام اللحد؛ لقد دُفن حياً.
​لكنَّ الصوت الذي يُقبر، يكتسبُ خلوداً.
في ليلته الأخيرة، وتحت ضوءٍ باهت، استلَّ ورقةً بيضاء وكتب شهادته:
"لم أكن ضعيفاً.. كنتُ فقط إنساناً تحت ركام الظلم، يحاول أن يتنفس دون أن يبيع رئتيه لسوق الفساد. أنا لم أهزم، لأنني تركتُ لكم الملف، وأخذتُ معي نظافة يدي".
​طوى الورقة بعناية، كما يطوي الناجون من الزلازل أسماء موتاهم، وتركها في درج المكتب الصدئ. غادر المكان بخطىً ثابتة، تاركاً خلفه "صوتاً" سيبقى يطنُّ في أذن المكتب كلما فُتح ذلك الملف الأزرق.
​فكل صوتٍ تحت الركام، هو بالضرورة.. قيامة.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- امرأة خارج الملف
- ما لا تُصادره الثورات
- طينٌ لا يُغتَفَر
- سيرة رجلٍ لم يعثر على صورته
- قبرٌ في الروح
- وصية لم تكتمل
- صدأ الشالجية
- خارج المتن
- عقد بلا فرح
- وصل الغرامة
- التخلّي البابلي
- شخابيط النزف الأخير
- السترة الاخيرة
- الجثة التي لا تُريد أن تموت
- غرباء في روح واحدة
- الطين الذي لا يساوم
- دماء وطين
- الجسد الذي عاد والروح التي لم تعد
- أبنة الضوء والصفعة
- طفل أطفأته بغداد


المزيد.....




- الثقافة حين تتقن تفادي الأسئلة
- حرب الروايات بين كييف وموسكو كما يراها المحللون
- دراسة: أدمغة المواليد تفهم الإيقاع الموسيقي قبل الكلام
- هندسة الرواية: كيف يُستخدم -بعبع- بوتين للتغطية على فضائح نخ ...
- العراق يستدعي السفير التركي احتجاجا.. وأنقرة تتحدث عن «سوء ت ...
- بعد سنوات من -المنع-.. مكتبات الرصيف بمعرض دمشق للكتاب والمن ...
- الحكومة تريد الاسراع في تطبيق شرط اللغة للحصول على الجنسية ا ...
- أخبار اليوم: السجن 12 عاما لوكيلة فنانين تركية بتهمة -قلب نظ ...
- تركيا.. وفاة الممثل كانبولات جوركيم أرسلان عن عمر ناهز الـ45 ...
- متحف -نابو-.. ذاكرة ثقافية قد تنقذ ما عجزت عنه السياسة في لب ...


المزيد.....

- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - أصوات تحت الركام / ٢