أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - قبرٌ في الروح














المزيد.....

قبرٌ في الروح


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8562 - 2025 / 12 / 20 - 12:14
المحور: الادب والفن
    


​لم تكن "فاطمة" تعرف من الدنيا سوى صراطٍ واحدٍ من التراب المالح، يمتد من كوخها الطيني عند حواف "أبو غريب"، لينتهي عند مزارع النخيل الكثيفة. هناك، حيث يختلط عطر "القداح" برائحة الفقر، كانت الساعات تُقاس بوخزات الظهر وانحناءة الجسد. وحين نخر المرض عظام زوجها "رشيد"، انكسر ميزان الكون الصغير؛ صار البيت أثقل من جسدها، وصار الصمت رفيق فراشهما.
​في أطراف المزرعة، حيث تشتد الظلال وتختبئ السواقي مثل أسرارٍ قديمة، انقضّ عليها "الخوف". كان وجهاً يعرفه التراب ولا تعرفه السماء. حدث كل شيء بسرعةٍ جارحة، كضربة طبلٍ مفاجئة في موكب عزاء. ومنذ تلك اللحظة، نبت في أحشائها "ثقلٌ" لم تختره؛ حملٌ يشبه الحجر، يقتاتُ على عافيتها وينمو في الظلمة. شهورٌ وهي تروض جسدها على "الإنكار"، تشد مئزرها بقسوة كأنها توأد السر وهو في المهد، وتمشي بظهرٍ مستقيمٍ كاذب أمام عيون القرويين.
​في تلك الليلة الموحشة..
جاء المخاض وفاطمة وحيدة في زاوية الكوخ، ورشيد يغط في نومٍ ثقيل تفرضه الأدوية. لم تكن صرخة الطفل "بشارة"، بل كانت "فضيحة" تمزق جلباب الستر. وبحركةٍ يائسة، وضعت كفها الخشنة على فمه الصغير؛ لم تكن تريد قتله، كانت تريد فقط أن "تسكته"، أن تبقي العالم نائماً. لكن الصرخة انقطعت، ومعها انقطع خيط النور الأخير في روحها. دفنته عند حافة الساقية بيدين ترتجفان، ووارته التراب تحت نخلة مائلة، ثم عادت لتغسل وجهها بماءٍ عكر، وكأن شيئاً لم يكن.
​في الصباح، كانت المواجهة.
كانت فاطمة تنحني فوق الأرض بجنون، حين اقتربت منها "زكية"، زميلتها التي يضج بيتها بصياح الأطفال. تفرست زكية في وجه فاطمة الشاحب، وقالت بنبرةٍ مريبة:
​"يا ستار يا فاطمة! شبيج يولي؟ وجهج كاطفه الطير وجنج كاضية الليل بالبجي.. والعباية شبيها مبهذلة وعليها طين؟"
​حاولت فاطمة أن تمسك "المساحة" بيدٍ واهنة، وردت بحشرجة:
​"ماكو شي زكية.. تعبانة من السهر وي رشيد. عوفيني بحالي، الشغل تراكم علينا."
​لم تتراجع زكية، بل دارت حولها وعيناها تتفحصان خصر فاطمة الذي "خسف" فجأة:
​"ولج.. شو لفتج الربطة اليوم راخية؟ وين جان ذاك العلو اللي ببطنج الصاير جنه صخرة؟ يا فاطمة.. والله قلبي ما يطمن. البارحة مريت صوبكم وسمعت حسّ غريب.. جنه صريخ فريخ زغير، تالي انكطع فد كطعه. فاطمة.. شضامة بداخلج؟"
​انتفضت فاطمة، وشعرت برائحة التراب الرطب تفوح من أظافرها، فصرخت بحدةٍ يائسة
​"وشتفتهمين أنتي؟ أنتي شابعة ضحك بوسط بزرتج، ورجلج يمج مثل السبع.. آني الموت يمي بالفراش، والجوع يمي، والظلم يمي! لا تدورين ورايه.. روحي لجهالج، وخليني بضيمي.. ترى الينبش بالتراب ما يطلعله بس الدود!"
​تراجعت زكية مذهولة، وضعت يدها على صدرها وهي تهمس بصدمة:
​"عزا العزاج يا فاطمة.. سويتيها؟ والله يا فاطمة، ريحة الوجع اللي بيج اليوم، ما تشبه وجع المرض."
​مضت زكية، وبقيت فاطمة تنحني فوق الأرض. عادت الموسيقى التي لا يسمعها سواها؛ موسيقى الذنب والنجاة المرّة. ومع كل نفس، كانت تشعر أن في جسدها ألما، وفي روحها قبراً صغيراً لا يهدأ، تحت نخلةٍ وحيدة في أطراف بغداد، حيث يدفن الفقراء أسرارهم.. ويمضون.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وصية لم تكتمل
- صدأ الشالجية
- خارج المتن
- عقد بلا فرح
- وصل الغرامة
- التخلّي البابلي
- شخابيط النزف الأخير
- السترة الاخيرة
- الجثة التي لا تُريد أن تموت
- غرباء في روح واحدة
- الطين الذي لا يساوم
- دماء وطين
- الجسد الذي عاد والروح التي لم تعد
- أبنة الضوء والصفعة
- طفل أطفأته بغداد
- ميراث الريح
- أنسحاب الضوء
- على ضفة نهر العشار
- ظلّ عند بوابة الشقائق
- ظل سمر


المزيد.....




- تضارب الروايات بين الصيانة والهجمات بعد وقف الغاز الإيراني ل ...
- -العلم الزائف-.. كيف يُختطف الدين باسم المختبر؟
- نوفل تصدر -أشواك حديقة تورينغ-.. أولى روايات اللبنانية رنا ح ...
- المثقف العربي بين حصار النظرية وميادين الفعل الغائبة
- عبير سطوحي.. مصممة أزياء تدمج الثقافة اللبنانية بالموضة العا ...
- حمار على ظهره بردعة
- أصيلة بين جمال الذاكرة وفوضى الرسم على الجدران
- فيلم -السلم والثعبان 2- تحت النار.. لماذا أثار كل هذا الجدل؟ ...
- -زمن مغربي-.. شهادة من داخل دوائر القرار تكشف تحولات نصف قرن ...
- هل أهان ترمب ستارمر؟.. المنصات تتفاعل مع المقطع الكوميدي الس ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - قبرٌ في الروح