أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - سيرة رجلٍ لم يعثر على صورته














المزيد.....

سيرة رجلٍ لم يعثر على صورته


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8563 - 2025 / 12 / 21 - 11:31
المحور: الادب والفن
    


خرج سالم القيسي من سجن بغداد المركزي في صباحٍ شاحب من شتاء عام 1964. سار نحو حي "الفضل" بخطواتٍ تزن جبالاً من الانتظار.
​عند عتبة البيت، صُفع بكلمات ليلى التي أنكرت حياته، وبصمت ابنته زهرة التي لم تعرفه. انسحب من أمام الباب مذهولاً، لكنه لم يذهب بعيداً. انزوى في ركن الزقاق المظلم، تحت شناشيل بيتٍ قديم، ينتظر "رائد".
​بعد ساعة، ظهر رائد. كان يمشي بخيلاء، يرتدي معطفاً صوفياً لم يكن يحلم به، ويحمل في يده كيس فاكهة. تقدم سالم من عتمته، اعترض طريقه كأنه شبح انشق عنه الرصيف.
​تجمّد رائد في مكانه، سقط كيس الفاكهة من يده، وتدحرجت حبات البرتقال في الطين.
تحدث سالم بصوتٍ كأنه قادم من بئر:
​«أهلاً يا رفيق السلاح.. والخبز.. والنساء.»
​استعاد رائد رباطة جأشه بسرعةٍ أثارت غثيان سالم، وقال بنبرةٍ غاب عنها الخجل:
​«سالم؟ لقد طال غيابك.. وظننا أن الأرض قد ابتلعتك كما ابتلعت غيرك.»
هجم سالم عليه، أمسكه من ياقة معطفه: «وظننت أنك أولى ببيتي وابنتي؟ كيف نمت في فراشي يا رائد؟ كيف استطعت أن تنظر في وجه "زهرة" وتدعها تناديك بأبي؟»
​دفع رائد يد سالم عنه ببرود، وعدّل هندامه وهو يقول:
​«اسمع يا سالم.. المدينة لا تترك الأماكن شاغرة. أنت اخترت السجن والمبادئ، وهي اختارت الحماية. ليلى لم تكن بحاجة لـ "بطل" غائب، كانت بحاجة لرجل يشتري الخبز ويدفع إيجار البيت. أنا لم أسرق حياتك.. أنا فقط أكملتُ ما عجزتَ أنت عن إتمامه.»
​استل سالم خنجراً قديماً كان يخبئه، لكن رائد لم يتراجع، بل ضحك بسخرية:
​«اضرب يا سالم! ولكن اعلم أنني إذا مُت، سأموت في نظر الحي "شهيداً" و"زوجاً صالحاً"، وستبقى أنت "المجرم" الذي خرج من السجن ليقتل من رعى عائلته. أنت خسرت منذ اللحظة التي دخلت فيها تلك البوابة الحديدية.»
​تركه سالم ومضى، يغلي بمرارةٍ لم يذقها خلف القضبان. اتجه إلى "سالم الشيباني" الذي واجهه ببرود المثقف، ثم إلى "الشيخ عبد الجليل" الذي وعظه بالاستغناء.
​حين ضاقت به الدنيا، لم يجد إلا "حسنه". كانت تمسح على رأسه وتقول:
​«يا سالم، رائد لم يسرق بيتك، هو فقط كشف لك أن البيت كان من ورق.»
​لكن صدى كلمات رائد: "أنا أكملتُ ما عجزتَ أنت عنه" كان يتردد كطلقات الرصاص في رأسه. تسلل ليلاً، صوّب مسدسه نحو الغرفة التي ظن أن رائد ينام فيها. أطلق النار بغضبٍ أعمى، فكانت الفاجعة أن رصاصته لم تقتل رائد، بل قتلت شاباً مسكيناً استأجر الغرفة من رائد قبل يومين فقط.
​صار سالم "الوحش" الذي تطارده المدينة. هرب إلى مقبرة "الغزالي"، وبينما كانت الشرطة تحاصره، لمح من بعيد رائد وهو يقف بجانب الضابط، يشير بيده نحو مكان اختباء سالم ويقول للشرطة:
​«احذروا.. إنه مسلح وخطر!»
​ضحك سالم للمرة الأخيرة. أدرك أن رائد "الخائن" لا يزال يؤدي دوره ببراعة، حتى في تسليمه للموت.
حين اخترقت الرصاصات جسده، نظر إلى السماء الشاحبة وتمتم:
​«الآن يا رائد.. فرغ لك المكان تماماً.. لكنك لن تملك ظلي أبداً.»



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قبرٌ في الروح
- وصية لم تكتمل
- صدأ الشالجية
- خارج المتن
- عقد بلا فرح
- وصل الغرامة
- التخلّي البابلي
- شخابيط النزف الأخير
- السترة الاخيرة
- الجثة التي لا تُريد أن تموت
- غرباء في روح واحدة
- الطين الذي لا يساوم
- دماء وطين
- الجسد الذي عاد والروح التي لم تعد
- أبنة الضوء والصفعة
- طفل أطفأته بغداد
- ميراث الريح
- أنسحاب الضوء
- على ضفة نهر العشار
- ظلّ عند بوابة الشقائق


المزيد.....




-  بعد فوزه بجائزة النيل للمبدعين العرب.. الشاعر العراقي د. عل ...
- بين المال وعقدة اللغة.. أسرار عزوف اللاعبين الإنجليز عن الاح ...
- RT تدشن فيلم -أرض اللبان- في عُمان
- ثلاث بيضات فابرجيه طلبها نيقولاي الثاني ضمن أغلى خمس بيضات ف ...
- سوبيانين: ترميم أكثر من 30 موقعا للتراث الثقافي في موسكو خلا ...
- من قلعة بني حماد إلى بجاية.. كيف غيّر البحر مصير الدولة الحم ...
- -على طريقة الأفلام-.. كاميرات توثق اغتيال زعيم مافيا القوقاز ...
- -الحياة بعد الموت- يحصد الجائزة الكبرى في مهرجان -كوروتشي- ا ...
- بدل الأجراس.. يوم المعرفة في روسيا يبدأ بأغان شهيرة من الحقب ...
- مرشحة للرئاسة الأمريكية تدعو إلى تعزيز التبادل الثقافي مع رو ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - سيرة رجلٍ لم يعثر على صورته