أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ما لا تُصادره الثورات














المزيد.....

ما لا تُصادره الثورات


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8564 - 2025 / 12 / 22 - 19:25
المحور: الادب والفن
    


في الناصرية، لم يكن القصر مجرد بناءٍ واسع،
كان حدًّا فاصلًا بين عالمين لا يلتقيان إلا صدفة.
كان محسن يعبر بوابته كل صباح، ينحني قليلًا، لا احترامًا، بل تجنّبًا لظلٍّ ثقيلٍ يلقيه الإقطاعي شهاب على كل من يقترب. يعمل بصمت، كأن وجوده مؤقّت، وكأن القصر لا يعترف بمن يخدمه.
كبر أحمد، ابن محسن، على هامش هذا العالم. لم يكن مسموحًا له بالدخول، لكن كان مسموحًا له أن يرى. وفي فناءٍ بعيد، كانت سلوى تكبر معه. لم يتفقا على الحب، ولم يعلناه. كان حاضرًا كعادةٍ يومية، كالنظر إلى النهر دون التفكير بالضفّة الأخرى.
حين تخرّج أحمد من كلية الشرطة، لم يشعر بالفخر بقدر ما شعر بأنه ابتعد خطوة عن قدرٍ كُتب له دون اختياره. أما أخوه حسن، فقد اختار الجيش، كأنما أراد أن يضع مسافةً أبعد بينه وبين الماضي.
كان أحمد يعود إلى المدينة بزيّه الرسمي، يلتقي سلوى عند الحواف:
كلمات ناقصة، نظرات أطول من اللازم، وخوف مشترك من انكشاف لا يرحم.
غير أن جاسم، شقيقها، كان يرى ما لا يريد رؤيته. لم يحتمل فكرة أن ابنة الإقطاعي تهب قلبها لابن خادم. أخبر الأب. ولم يحتج شهاب إلى وقتٍ طويل.
استُدعي محسن. وقف أمام شهاب، لا كعامل، بل كمتهم.
قال بهدوءٍ يشبه اليأس:
«أطلب يد ابنتك لابني».
ضحك شهاب. لم تكن ضحكة سخرية، بل ضحكة يقين. طرده من العمل، من القصر، ومن الوهم القديم بأن القلوب يمكن أن تعبر الطبقات.
فهمت سلوى الرسالة سريعًا. لم تبكِ. قبلت بخطبة أحد أبناء الأثرياء. لم يكن ذلك خيانة، بل محاولة يائسة لحماية أحمد. أرادت أن تقطع الطريق على الدم.
لكن الأخبار تصل دائمًا ناقصة.
وصلت إلى أحمد كما تصل الطعنات. أقنع نفسه بأن سلوى اختارت الأمان، وأن الحب كان وهمًا لا يصمد أمام الألقاب. انسحب بصمت، ودفن ما تبقّى داخله تحت الواجب والسنوات.
ثم جاءت الثورة.
سقطت أسماء كانت تُنطق همسًا. ارتجفت القصور. وصعدت وجوه لم تكن تُرى.
أصبح أحمد، بصفته ضابط شرطة، رئيسًا للجنة مصادرة أملاك الإقطاعيين في الناصرية.
عاد إلى القصر ذاته، لا عاشقًا، ولا خادمًا، بل ممثلًا لزمنٍ جديد.
استقبلته سلوى ببرودٍ ظاهري. ظنّت أنه جاء شامتًا. لكنه لم يفعل. كان صوته هادئًا، نظرته قديمة. وفي لحظة قصيرة، فهمت كل شيء: لم يكرهها، لم ينتقم، ولم ينسَ.
في تلك اللحظة بالذات، دوّى الرصاص.
كان جاسم.
أصاب أحمد إصابة بالغة. سقط على الأرض، ورأى سقف القصر الذي طالما حلم أن يغادره. ردّ بإطلاق النار. سقط جاسم قتيلًا.
نُقل أحمد بين الحياة والموت.
لم يُعلن شيء.
قيل إنه نجا. وقيل إنه مات بعد أيام.
سلوى لم تسأل.
بقي القصر فارغًا.
وبقيت هي معلّقة بين زمنين:
زمنٍ كان الحب فيه جريمة،
وزمنٍ لم يمنحها سوى الفقد.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- طينٌ لا يُغتَفَر
- سيرة رجلٍ لم يعثر على صورته
- قبرٌ في الروح
- وصية لم تكتمل
- صدأ الشالجية
- خارج المتن
- عقد بلا فرح
- وصل الغرامة
- التخلّي البابلي
- شخابيط النزف الأخير
- السترة الاخيرة
- الجثة التي لا تُريد أن تموت
- غرباء في روح واحدة
- الطين الذي لا يساوم
- دماء وطين
- الجسد الذي عاد والروح التي لم تعد
- أبنة الضوء والصفعة
- طفل أطفأته بغداد
- ميراث الريح
- أنسحاب الضوء


المزيد.....




- على طريقة الأفلام.. -باتمان- مجهول يطارد لصوص الدراجات في ال ...
- النسر ذو الرأسين رمز السيادة الروسية الممتد من بيزنطة إلى ال ...
- -خدم التاج بشرف-.. دارتانيان الحقيقي بين صفحات التاريخ الحقي ...
- وزير الثقافة السوري يحسم الجدل: لا مسرح لمن مدح الأسد.. والا ...
- وزارة الثقافة المولدوفية تدرج 25 فنانا روسيا في قائمة سوداء ...
- صراع الروايات حول مرتفعات علي الطاهر: الاحتلال يزعم السيطرة ...
- حذف وثائق من حواسيب الشرطة الإسرائيلية مرتبطة بالحفل الموسيق ...
- وفاة الفنان قادر إنانير أحد أبرز نجوم السينما التركية إثر وع ...
- وفاة وزير الدفاع الروسي الأسبق والممثل الخاص للرئيس الروسي س ...
- وفاة وزير الدفاع الروسي الأسبق والممثل الخاص للرئيس الروسي س ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ما لا تُصادره الثورات