أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - أصوات تحت الركام / ٤














المزيد.....

أصوات تحت الركام / ٤


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8570 - 2025 / 12 / 28 - 21:53
المحور: الادب والفن
    


الكرسي الفارغ

​لم تكن تدركُ من عالم الوظيفة سوى وجه زوجها الشاحب حين يعود. لا تعرفُ أسماء المدريرين، ولا فخاخ "التواقيع"، ولا خبايا "الملفات". كل ما كانت تملكه هو حدسها الذي يخبرها أن الرجل الذي يدخل البيت كل مساء، يترك قطعةً من روحه هناك.. تحت ركامٍ لا تراه.
​حين نُقِل إلى القبو، قال لها بكلماتٍ مقتضبة: "إجراءٌ إداري"؛ قالها بالخفة التي تُقال بها كلمة "مطر"، لكنها أبصرت الغيمَ الأسود يربضُ في عينيه. في الأسبوع الأول صمتت، في الثاني بدأت تحصي الخسارات، وفي الثالث أدركت أن الركام قد زحف من الدائرة ليحتلَّ زوايا بيتها الدافئ.
​الجيران لا يسألون صراحةً، لكن نظراتهم كانت كالحصى الصغير الذي يرجمُ هدوءها. همساتهم عند الباب، وجملهم المبتورة التي تنتهي بـ "سمعنا أن.."، جعلتها تخرجُ إلى السوق برأسٍ منحنٍ؛ ليس خجلاً من فقر، بل تعبًا من شرحِ شرفٍ لا يريد أحدٌ تصديقه.
​حين طرقَ الإيجار المتأخر بابهم، لم تكن صاحبة البيت قاسية، لكن الفقر لا يحتاج إلى أنياب ليفتك؛ يكفيه الصمت ليؤلم. في تلك الليلة، نظر زوجها إلى الأرض وقال بصوتٍ متهدج:
— "إن شئتِ.. فعودي لبيت أهلكِ، هناك متسعٌ للنجاة".
كان يعرض عليها قارب الرحيل، معترفاً -لأول مرة- بأن الهزيمة قد أطبقت فكيها عليه. نظرت إليه طويلاً، لم ترَ رجلاً فاشلاً، بل رأت جبلاً انحنى من ثقل الوقوف وحيداً في وجه الريح. ردت بهدوءٍ يقطرُ وفاءً:
— "وأيُّ نجاةٍ تلك التي تبدأ بترك قلبي تحت الركام؟ نحن جسدٌ واحد، إن غرقَ غرقنا معاً".
​بدأت تبيعُ قطعَ حياتها الصغيرة؛ قرطاً من ذهب، أثاثاً لم يعد ضرورياً، حتى ذلك الكرسي في الزاوية.. الكرسي الذي كان يجلس عليه مساءً ليحكي لها خيباته، صار فجأةً "عبئاً" بلا قيمة. صار فارغاً، كأنه شاهدُ قبرٍ لشخصٍ انتُزع من مكانه.
​اكتشفت بمرارة أن "الشرف" لا يملأ قدور الطبخ، وأن الناس يميلون حيث تميل الكفة الرابحة. كانت تعرف أنه لو "مدَّ يده" مرة واحدة، لما وقفت في هذا الطابور الطويل من الانكسار، لكنها برغم الجوع، كانت تشمُّ في ثيابه رائحة النزاهة التي لا تُقدّر بثمن.
​في ليلةٍ دامسة، سمعته ينتحب. لم يكن نحيب رجل، بل كان صوت طفلٍ حُمِّل من الهمِّ ما لا تطيقه الجبال. اقتربت منه، وضمت رأسه إلى صدرها كأنه وليدها، وهمست:
— "الركام ليس فوقك وحدك.. نحن اثنان تحت هذا السقف، والضيق الذي نعيشه هو ثمنُ الضوء الذي لم نطفئه في ضمائرنا".
​حينها أدركت، أن بعض النساء لا يُذكرن في خطابات الشرف الطنانة، لكنهنّ الحقيقة الوحيدة التي تدفع ثمن ذلك الشرف.. كاملاً، وصامتاً.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أصوات تحت الركام / ٣
- أصوات تحت الركام / الناجي
- أصوات تحت الركام / ٢
- امرأة خارج الملف
- ما لا تُصادره الثورات
- طينٌ لا يُغتَفَر
- سيرة رجلٍ لم يعثر على صورته
- قبرٌ في الروح
- وصية لم تكتمل
- صدأ الشالجية
- خارج المتن
- عقد بلا فرح
- وصل الغرامة
- التخلّي البابلي
- شخابيط النزف الأخير
- السترة الاخيرة
- الجثة التي لا تُريد أن تموت
- غرباء في روح واحدة
- الطين الذي لا يساوم
- دماء وطين


المزيد.....




- -السيد لا أحد ضد بوتين-.. فيلم قاد صاحبه إلى خانة -العملاء ا ...
- سوريا.. وفاة الفنان السوري عدنان قنوع
- وفاة الفنانة المصرية الشهيرة بـ-فاطمة كشري-
- وزارة الثقافة المغربية تتجه لوضع هندسة جديدة لمستقبل المسرح ...
- حفل توزيع جوائز الأوسكار يغادر هوليوود لهذا السبب
- شهوة الخلاص: لماذا يبحث الإنسان العربي عن نافذة نجاة؟
- بواقعية سينمائية.. إنفيديا تبدأ عصر -الذكاء التوليدي- في بطا ...
- إرث حضاري متجدد.. الجامعة العربية تحتفي بيوم الموسيقى العربي ...
- مساعد وزير الثقافة الإيراني: ترامب ونتنياهو يرتكبان الجرائم ...
- لإنقاذ تراث سينمائي متناثر: عمل جبّار ينتظر مؤسسة جان لوك غو ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - أصوات تحت الركام / ٤