أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - أصوات تحت الركام / ٣














المزيد.....

أصوات تحت الركام / ٣


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8570 - 2025 / 12 / 28 - 12:05
المحور: الادب والفن
    


التوقيع

قصة قصيرة

​في البداية، كان يراقبهم من بعيد بابتسامة ساخرة، يرمم بها اعتزازه بنفسه.
يقول في سرّه: "أنا غيرهم.. أنا نظيف."
كان يحفظ تفاصيل المسرحية عن ظهر قلب:
من أين تُدفع المعاملة لتعبر،
ومن يضع الظرف في الدرج ببراعة ساحر،
ومن يغلق الباب قبل البدء بـ "العدّ".
لكنه كان يقف في الظل، يكتفي بالمشاهدة.
والمشاهدة، كما أدرك حين فات الأوان، لم تكن حياداً.. كانت انتظاراً صامتاً للحظة الانهيار.
​تأخر راتبه مرة.. ثم مرتين.
بدأ اسمه يزحف إلى قاع القوائم، لا عقاباً رسمياً، بل ركاماً كان يُبنى حوله بصمتٍ مطبق.
مدير الشعبة مرّ به يوماً، وضع يده على كتفه كأنه يعزي فقيداً، وهمس:
"الدنيا لا تسير هكذا يا ولدي.. لماذا تُتعب روحك في الوقوف ضد الريح؟"
ضحك بمرارة، ضحكة جافة كخشب قديم.
​عاد إلى بيته، وجد زوجته تحصي ما تبقى من دنانير بصوت مخنوق.
سقطت كلمة "إيجار" في الغرفة، فكان لها دويّ حجر ضخم سقط فوق صدره، محطماً ضلعاً أو اثنين.
​في المرة الأولى التي امتدت فيها يده للظرف، لم تكن يد سارق يطمع في المزيد، بل كانت يد غريق يتشبث بقشة.
ارتجفت أصابعه، كادت تخذله.
نظر إلى سجادة الصلاة المركونة في زاوية الغرفة، أحسّ للحظة أن كل الأشياء من حوله تراقب انكساره.
قال لنفسه: "مرة واحدة فقط.. أسدّ بها هذه الفتحة في جدار حياتي."
لكنه لم يعرف أن الفتحات في الضمير لا تُسدّ، بل تتسع لتصبح أبواباً مشرعة.
​مع الأيام، صار "التوقيع" مجرد حركة ميكانيكية.
الظرف الذي كان يزن جبالاً في مخيلته، صار أخفّ مما تصور.
أما الضمير؟ فلم يمت، هو فقط تعلّم كيف يصمت طويلاً، كيف يتوارى خلف أكوام التبريرات.
لم يعد يسخر من الفاسدين، فقد ضاعت ملامحه بينهم. لا هو بأسوئهم، ولا هو بأفضلهم.. مجرد رجل آخر ابتلعه الركام.
​في أحد الصباحات، مرّ موظف جديد.
نظيف القميص، متعب العينين، يحمل تلك النظرة القديمة التي كانت له يوماً.
تجنّب بطلنا النظر في عيني الشاب.
أراد أن يصرخ به، أن يمنحه تحذيراً، أو اعتذاراً نيابة عن المستقبل.
لكنه بدلاً من ذلك، مسح الغبار عن مكتبه ببرود، وقّع المعاملة، وأعادها بابتسامة باهتة لا تصل إلى عينيه.
​في تلك الليلة، وقف أمام المرآة طويلاً.
لم يرَ وحشاً، بل رأى رجلاً غارقاً تحت الركام، قرر أخيراً أن يتوقف عن المقاومة ليتنفس من خلال الثقوب.
تحسس وجهه في المرآة وهمس لنفسه بصدقٍ جارح:
"أنا ما سقطت.. أنا فقط تعبت من الوقوف."
​ثم أطفأ النور، وغرق في صمت الركام.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أصوات تحت الركام / الناجي
- أصوات تحت الركام / ٢
- امرأة خارج الملف
- ما لا تُصادره الثورات
- طينٌ لا يُغتَفَر
- سيرة رجلٍ لم يعثر على صورته
- قبرٌ في الروح
- وصية لم تكتمل
- صدأ الشالجية
- خارج المتن
- عقد بلا فرح
- وصل الغرامة
- التخلّي البابلي
- شخابيط النزف الأخير
- السترة الاخيرة
- الجثة التي لا تُريد أن تموت
- غرباء في روح واحدة
- الطين الذي لا يساوم
- دماء وطين
- الجسد الذي عاد والروح التي لم تعد


المزيد.....




- نادي السرد في اتحاد الأدباء يضيّف الروائي أمير رأفت
- شغف الكتاب الموصليين يتجه نحو الرواية.. واتحاد الأدباء يقيم ...
- جدران غيّرت وجه القصيدة العربية.. كيف يبعث العراق دار السياب ...
- مسؤول أمريكي يكشف لـCNN وضع المحادثات الفنية بين واشنطن وطهر ...
- عمر خيرت يكشف سر المكالمة التي غيرت حياته.. ما علاقة فاتن حم ...
- فلسطين والسينما المصرية.. من الخلفية الرومانسية إلى هاجس الأ ...
- -بروفة يوم الحساب-... المسرح السوري يختبر الذاكرة قبل أن يطا ...
- من -الأوديسة- إلى -سبايدر مان-.. أبرز الأفلام المنتظرة في صي ...
- وزير الثقافة اللبناني: إسرائيل دمرت مواقع تراثية في الجنوب
- لماذا يثير فيلم -الأوديسة- كل هذا الجدل؟


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - أصوات تحت الركام / ٣