أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - الغريبةُ والناقوس














المزيد.....

الغريبةُ والناقوس


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8575 - 2026 / 1 / 2 - 22:26
المحور: الادب والفن
    


قصة قصيرة تستلهم الواقع لترميم الفجوات بين الإنسان والإنسان .


​جاءت ليلى من أقاصي الريف العراقي، تحمل في حقيبتها ثياباً قطنية بسيطة، وفي قلبها "يقينًا" خامًا لم يخدشه تأويل، ولا لوثته أسئلة المدينة. كانت بغداد في عينيها كائناً ضوئياً شرهاً؛ شوارع تلمع بقسوة، وجوهٌ تركض خلف غايات مجهولة، وضجيجٌ لا يكفّ عن نهش ذلك الصمت الذي ربّتها عليه القرى.
​في الجامعة، اصطدمت بمريم.
كانت مريم فتاةً تسكنها طمأنينة غامضة، تبتسم بتمكّن مَن يعرف الوجهة والمسير. ولأن ليلى لم تكن تملك "مجسّات" للاختلاف، فقد نمت صداقتهما كعشب بري، عفوية، صامتة، وبلا حواجز. لم تسأل ليلى يوماً عن قبلة مريم في الصلاة؛ فقد كان الإنسانيّ فيها طاغياً إلى الحد الذي أعمى الفضول.
​لكنّ "الحقيقة" حين تظهر فجأة، قد تكون جارحة.
حين دخلت ليلى بيت مريم لأول مرة، تيبّست قدماها عند العتبة. تسمّرت عيناها فوق صلبانٍ معلّقة على الجدران، وفي ركن الغرفة، كان هناك رجلٌ بوقارٍ مهيب، يرتدي السواد ويقرأ في كتابٍ ضخم بصوتٍ خافت. كان والد مريم "قسّاً".
​في تلك اللحظة، شعرت ليلى أن الأرض تهتز تحت يقينها. ضاق المكان وتماهت الجدران حتى خنقتها. أحست بأنها سقطت في "فخ" لم تنصبه لها مريم، بل نصبه لها موروثها المثقل بالمحاذير. تحوّلت الدقائق إلى دهور، كانت تحسب أنفاسها وتتحرّى كلماتها كمن يمشي في حقل ألغام، حتى انسحبت وهي تحمل ثقلاً لا تعرف أين تضعه.
​منذ ذلك المساء، بدأت ليلى "الهجرة المعاكسة".
تراجعت خطوة، ثم مسافة، ثم جداراً من الجفاء. كانت مريم ترصد هذا التصدع بصمت، تحاول الاقتراب فتصطدم ببرودة مفاجئة، ولم تسأل؛ ربما لأنها تدرك أن بعض الأسئلة تكسر ما تبقى من الود.
​ثم غابت ليلى.
ليلتانِ والصمت يلفّ غرفتها في سكن الطالبات. لم تحتمل مريم حدسها، فذهبت إليها، لتجد ليلى طريحة حمى مستعرة، ترتجف تحت وطأة الوحدة والمرض. بلا تردد، وبمعونة والدها وسيارتهما الخاصة، نُقلت ليلى إلى المستشفى، وحين استقرت حالتها، لم يعيدوها إلى غربة السكن، بل حملوها إلى "بيت القس".
​هناك، في البيت الذي هربت منه، استيقظت ليلى لتجد يداً تمسح جبينها بحنوّ؛ كانت يد والدة مريم. رأت مريم تسهر عند قدميها، ولمحت القسّ يمرّ من بعيد، يرمقها بنظرة أبوية حانية، ويهمس بكلمات لم تفهمها، لكنها أحست ببردها على روحها.
​لم يُسأل عن دينها، ولم يذكّرها أحدٌ بـ"الاختلاف". كانت القهوة هي نفسها، والوجع هو نفسه، والإنسانية التي غمرتها كانت أوسع من كل التصنيفات.
​بعد يومين، نهضت ليلى وهي تحمل في قلبها شيئاً أثمن من العافية.
نظرت إلى مريم، حاولت أن تعتذر عن جفائها، عن جهلها، عن خوفها الصغير.. لكن مريم وضعت سبابتها على فمها مبتسمة، كأنها تقول: "لا تعتذري عن كونكِ إنسانة".
​في طريق العودة، لم تعد بغداد ذلك الكائن المخيف. أدركت ليلى أن البيوت الحقيقية لا تُبنى من الطوب والرموز، بل من القدرة على الحب بلا شروط. وأن الأخلاق لا تفتش في الهويات قبل أن تمدّ يدها للغريق.
​منذ ذلك اليوم، لم تعد ليلى تحسب الدقائق في بيت مريم، ولم تعد تخاف الضوء.. فقد أدركت أن الذي يسكن في "نور الحق" لا يخشى أبداً ظلال الآخرين.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خارج المَتْن / ٦
- أصوات تحت الركام / ٥
- أصوات تحت الركام / ٤
- أصوات تحت الركام / ٣
- أصوات تحت الركام / الناجي
- أصوات تحت الركام / ٢
- امرأة خارج الملف
- ما لا تُصادره الثورات
- طينٌ لا يُغتَفَر
- سيرة رجلٍ لم يعثر على صورته
- قبرٌ في الروح
- وصية لم تكتمل
- صدأ الشالجية
- خارج المتن
- عقد بلا فرح
- وصل الغرامة
- التخلّي البابلي
- شخابيط النزف الأخير
- السترة الاخيرة
- الجثة التي لا تُريد أن تموت


المزيد.....




- فتح باب الترشح للدورة الثانية من جائزة خالد خليفة للرواية
- تركي آل الشيخ يعرب عن سعادته بأول مسرحية قطرية بموسم الرياض ...
- تغريم ديزني لانتهاك خصوصية الأطفال على يوتيوب يثير تفاعلا وا ...
- زفّة على الأحصنة وسط الثلوج.. عرس تقليدي يحيي الموروث الفلكل ...
- حارب الاستعمار ثم تفرغ للبحث.. وفاة المؤرخ الجزائري محمد حرب ...
- إبراهيم عدنان ياسين: قصص قصيرة جدا - 2
- سعاد الصباح لـ-الجزيرة نت-: أنا صوت مَن لا صوت لهم والخسارة ...
- 5 أفلام رسوم متحركة ملهمة لا تفوتك مشاهدتها مع أبنائك المراه ...
- وثائقي -مع حسن في غزة-.. صور من 2001 تفسر مأساة 2026 دون كلم ...
- الساحة الفنية 2026: منافسة خليجية حادة والقارة العجوز لم تقل ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - الغريبةُ والناقوس