أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - خارج المَتْن / ٦














المزيد.....

خارج المَتْن / ٦


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8575 - 2026 / 1 / 2 - 00:08
المحور: الادب والفن
    


​جاء سامي من "قلعة سكر" يحمل في حقيبته المهترئة رائحة الطين وأحلام عائلةٍ ترى في "أفندية بغداد" خلاصها الوحيد. في كلية القانون، لم يكن يبحث عن المجد، بل عن جدارٍ يستند إليه ليحمي ظهره من طعناتِ العَوَز. كان يجلس في الصفوف الأخيرة، يدوّن ملاحظات الأستاذ بقدسية، كمن يجمع حبات قمحٍ في موسم قحط.
​في النهار، تبتلعه أروقة الجامعة بكتبها الضخمة، وفي الليل، يبتلعه دخان "الكوفيه" الشعبي، حيث يوزع الشاي على وجوهٍ أتعبها الانتظار. هناك، تعلم سامي أن الوجوه مرايا، لكنه لم يتعلم بعد كيف يقرأ ما وراء الزجاج.
​كانت "سوسن" ابنة القاضي عواد، هي نافذته الوحيدة على العالم الذي يطمح إليه. تمده بالملخصات، وتملأ فجوات غيابه القسري حين يسرقه العمل. كانت علاقةً يسكنها الاحترام الصامت، وشعورٌ مبهم بأن العَدَالةَ قد تَبْتَسِمُ يوماً للفقراء.
​ذات ليلة غارقة في الرطوبة، جلس شاب بملامح "مترفة" في زاوية معتمة. وضع حقيبة جلدية صغيرة تحت الطاولة. تحدث مع سامي بلهجة الواثق، وبسرعة مريبة، نهض إثر مكالمة هاتفية خاطفة.
«أمانة.. دقائق وأعود». قالها واختفى في زحام الشارع.
​لم يكن "الانتظار" هو البطل، بل "الدهمة". حين اقتحم رجال الأمن المكان، كان سامي يمسك بالحقيبة محاولاً حمايتها من الغبار. لم يدافع عن نفسه، قال بصدقٍ قرويٍّ فج: «أمانة.. تركها أحدهم».
انفتحت السحابات لتكشف عن "مَوْتٍ أبْيَض" مغلف بعناية. في تلك اللحظة، سقطت "الأمانة" وتحولت إلى "جُرْمٍ مَشْهود".
​في التوقيف، تآكلت ملامحه. حين زارته سوسن، كان يبدو كشبحٍ غادر جسده. أخبرت والدها، فجاء رده بارداً كحد السكين: «يا بنتي، القانونُ لا يُفَتِّشُ في الصدور، بل في المَحَاضِر».
​مرت الشهور ثقيلة، جردته من بريق عينيه. حتى جاء "الإنصاف" من مكان غير متوقع؛ عصابة سقطت في الجنوب، واعترافات متقاطعة أثبتت أن سامي لم يكن سوى "طُعْمٍ عابر" في صنارة كبيرة.
​خرج سامي. عاد إلى مقاعد الدراسة، لكنه لم يعد هو. جلس في مكانه المعتاد، شاحباً، وكأنه يرى القاعة لأول مرة.
اعتلى الأستاذ المنصة، وبدأ محاضرته بصوت جهوري: «يا أبنائي، القاعدة الذهبية تقول: المتهم بريء حتى تثبت إدانته، والقانون يفترض دائماً حُسْنَ النية..».
​سرت دندنة في القاعة، بينما كان سامي يحدق في الفراغ. لم يبتسم، ولم يعترض. بهدوءٍ جنائزي، أغلق دفتره، وضع قلمه في جيبه، ولم يدوّن كلمة واحدة. أدرك أخيراً أن "المَتْن" الذي يدرسونه، لا يتسع لأمثاله الذين يعيشون في "الهَوَامِش".



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أصوات تحت الركام / ٥
- أصوات تحت الركام / ٤
- أصوات تحت الركام / ٣
- أصوات تحت الركام / الناجي
- أصوات تحت الركام / ٢
- امرأة خارج الملف
- ما لا تُصادره الثورات
- طينٌ لا يُغتَفَر
- سيرة رجلٍ لم يعثر على صورته
- قبرٌ في الروح
- وصية لم تكتمل
- صدأ الشالجية
- خارج المتن
- عقد بلا فرح
- وصل الغرامة
- التخلّي البابلي
- شخابيط النزف الأخير
- السترة الاخيرة
- الجثة التي لا تُريد أن تموت
- غرباء في روح واحدة


المزيد.....




- أبل تكشف ملامح iOS 27.2 بتعديلات جوهرية في الرسائل والمنزل و ...
- باراماونت تبدأ إنتاج فيلم «ريد رايزينغ» بإخراج فرانسيس لورنس ...
- فاز بكأس العالم 1998.. صدفة تقود أسطورة أرسنال إلى عالم السي ...
- تضارب الروايات بشأن توقيف متهم بمجازر في سوريا.. هل -اختُطف- ...
- فيلم -قتل آنا-.. كواليس تحقيق صحفي وراء إسقاط سفاح مجزرة الت ...
- تضميد جراح الحرب والذكريات.. أب وابنته يرممان سجادا عمره قرو ...
- فرقة -آي يولا- البشكيرية تدخل الجولة الأولى من التصويت لجوائ ...
- الذكاء الاصطناعي يعيد بانديراس شابا في فيلم عن غزو المكسيك
- بمشاركات قياسية.. -كتارا- تتوج الفائزين بجائزتها للرواية الع ...
- رواية -صفر فاصل خمسة-.. كيف يهرب الإنسان من واقعه إلى سجون ا ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - خارج المَتْن / ٦