أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - أصوات تحت الركام / ٥














المزيد.....

أصوات تحت الركام / ٥


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8571 - 2025 / 12 / 29 - 00:26
المحور: الادب والفن
    


الشاهد
​لم يكن يرتدي عباءة الأبطال، وكان يدرك ذلك جيداً.. وهذا الإدراك تحديداً كان يثقل كاهله أكثر من أي اتهام. كان يرى كل شيء بوضوحٍ جارح: التواقيع التي تُزوَّر بهدوء الموتى، الأسماء التي تُمحى كأنها لم توجد، والملفات التي تختفي في زحام الأدراج كما تختفي الأرواح في الزحام.
​كان يلوذ بالصمت، هامساً لنفسه: "ما شأني؟ لي أطفالٌ ينتظرون الرغيف، والساكت ناجٍ". هكذا كان يخدّر ضميره، كما يُسكّن الناسُ وجع موتاهم بكلماتٍ باردة لا تعيد نبضاً ولا توقف دمعاً. حين رأى زميله "النزيه" يُساق إلى منفى المخزن، أشاح بوجهه. وحين أبصر زميلاً آخر ينهار تحت وطأة العوز فيبيع ضميره، قال: "الدنيا أقسى من أن تُقاوَم". وحتى حين لمح زوجة زميله تبكي في الممرات، تظاهر بالعمى؛ فالركام لا يسقط دفعة واحدة، بل يُبنى حجراً فحجراً من "الأعذار الصغيرة" ومن صمتٍ يتقن فنّ التبرير.
​لكنَّ السقف عاد ليهتزَّ فوق رأسه في يومٍ عاديّ. وُضِع على مكتبه ملفٌ جديد: اسم شابٍ في مقتبل العمر، تقريرٌ مفبرك، وخانة توقيعٍ فارغة تنتظر حبره. قرأ السطور ببطء، فشعر بالهواء يضيقُ ويثقل، كأنَّ كل الصيحات التي كتمها، وكل الوجوه التي خذلها، عادت لتطبق على أنفاسه.
​أدرك -بعد فوات الأوان- أن الحياد في معركة الحق هو انحيازٌ كامل للباطل، وأن صمته لم يكن درعاً للنجاة، بل كان خنجراً يشارك في الذبح.
​رفع رأسه، نظر حوله؛ الكلُّ غارقٌ في "آلية" العمل المعتادة. أمسك القلم.. ثم أنزله. لم يشعر بالشجاعة التي تفيض بها الروايات، بل شعر بالخوف؛ لكنه كان خوفاً جديداً: الخوف من أن يوقع، ثم لا يجرؤ بعدها على النظر في عين نفسه في المرآة.
​خرج من المكتب بخطىً لم تتعثر بالتردد. توجّه إلى جهةٍ لم يطرق بابها من قبل، وكتب كل شيء. دون تزويق، دون ادعاء بطولة، كتب في السطر الأخير:
"أنا شاهد.. وصمتي الطويل كان جزءاً من الجريمة".
​لم يُستقبل بالتصفيق، ولم تُعلّق له الأوسمة. خسر عمله، ونفض الأصدقاء أيديهم منه، وخسر أماناً كان في الأصل هشاً كالورق. لكنه في تلك الليلة، ولأول مرة منذ سنوات، نام وملء جفنيه الطمأنينة. فهم أخيراً أن الأصوات تحت الركام لا تموت، إنها تنتظر فقط من يجرؤ على كسر جدار الصمت ليقول للكون:
"كنتُ هنا.. ورأيت".



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أصوات تحت الركام / ٤
- أصوات تحت الركام / ٣
- أصوات تحت الركام / الناجي
- أصوات تحت الركام / ٢
- امرأة خارج الملف
- ما لا تُصادره الثورات
- طينٌ لا يُغتَفَر
- سيرة رجلٍ لم يعثر على صورته
- قبرٌ في الروح
- وصية لم تكتمل
- صدأ الشالجية
- خارج المتن
- عقد بلا فرح
- وصل الغرامة
- التخلّي البابلي
- شخابيط النزف الأخير
- السترة الاخيرة
- الجثة التي لا تُريد أن تموت
- غرباء في روح واحدة
- الطين الذي لا يساوم


المزيد.....




- احتجاجات في مدن مغربية رفضاً لرفع مستوى التمثيل الدبلوماسي م ...
- من وراء الشاشات إلى المتاحف.. كيف تخطط عصابات الجريمة لسرقة ...
- موسيقي روسي: زوار روسيا يكتشفون حقيقة مختلفة بعيدا عن الصور ...
- -رسائل ممنوعة-.. رواية سعيد أبو غزة عن الحب في وجه الموت وال ...
- تردد قناة بطوط كيدز الجديد 2026 على النايل سات لمتابعة أجمل ...
- كيف حوّلت فنانة سورية عمارة دمشق القديمة إلى أزياء رقمية؟
- خبيرة روسية تسلط الضوء على جهود صون التراث الثقافي غير الماد ...
- استمرار ترميم أكثر من 500 موقع تراثي في موسكو ضمن أكبر برنام ...
- تايلور سويفت تتربع على عرش جوائز -إم تي في- برقم قياسي جديد ...
- -صفوف الغيتو-.. دورات اللغة تتحول إلى فخ لرسوب أبناء المهاجر ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - أصوات تحت الركام / ٥