أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - وداعٌ عند الفجر / ١














المزيد.....

وداعٌ عند الفجر / ١


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8576 - 2026 / 1 / 3 - 11:01
المحور: الادب والفن
    


محطّة الباصات

كان الفجر يتسلّل إلى محطة الباصات كمتواطئٍ مع الرحيل،
لا يعلن نفسه، ولا يعتذر عمّا سيفعله بعد قليل.
يمسّ المقاعد المعدنية الباردة، يوقظ النائمين على حقائبهم،
ويترك على الزجاج ضبابًا خفيفًا يشبه أنفاس من تردّدوا طويلًا قبل المغادرة.
وقف سعد عند الرصيف، يحمل كيسًا صغيرًا لا يليق بسفر طويل،
ولا بحياةٍ تُقتلع من جذورها وتُرمى في طريقٍ لا ظلّ له.
في الكيس قميصان، دفتر مهترئ، وصورة قديمة لأبٍ مات وهو يعد بالعودة.
ورث سعد الوعد… وورث عدم الوفاء به.
كانت أمّه قبالته، تشدّ عباءتها بيدٍ مرتجفة،
وبالأخرى تمسك الفراغ، كأنها تعوّدت أن لا تمسك أبناءها كاملين.
قالت بصوتٍ حاول أن يبدو عاديًا:
— “دير بالك ع روحك…”
ثم صمتت.
اختنقت الجملة في صدرها،
فالفجر لا يحب الكلام الكثير،
ولا يمنح الأمهات وقتًا كافيًا لقول ما يؤجَّل منذ سنوات.
نظر سعد إلى عينيها.
لم يرَ دموعًا،
رأى حسابًا طويلًا للخسارات:
سنواتٍ ستشيخ فيها وحدها،
وموائد ستبقى ناقصة،
وأعيادًا ستُحضَّر له ثم تُلغى بصمت.
أراد أن يقول: سأعود.
لكن الكلمة بدت فجّة، كاذبة، مستعملة أكثر مما ينبغي.
خاف أن ينطقها فيغضب الفجر…
والفجر لا يرحم من يكذب عليه.
صاح السائق باسم المدينة البعيدة.
تحرّك الناس كقطيعٍ يعرف وجهته ولا يعرف مصيره.
صعد سعد أخيرًا،
جلس قرب النافذة،
ووضع الكيس بين قدميه، كأنّه يخشى أن يهرب هو الآخر.
تحرّك الباص ببطءٍ مؤلم،
بطءٍ يشبه التعذيب،
كأنه يمنحه فرصة أخيرة للهرب،
أو يمنح قلب أمّه وقتًا إضافيًا لينكسر تمامًا.
رفع سعد يده خلف الزجاج.
لوّح.
حركة صغيرة، بائسة،
لم يعرف هل هي وداع…
أم اعتذار متأخر عن حياةٍ لم يستطع أن يعيشها حيث ينبغي.
بقيت الأم واقفة في مكانها.
لم تلوّح.
لم تبكِ.
كانت تعرف أن البكاء لا يعيد الباصات،
وأن التلويح لا يخفّف ثقل الوحدة.
صغرت ملامحها في المرآة الجانبية،
تحوّلت إلى ظل،
ثم إلى نقطة،
ثم إلى لا شيء.
حين أشرقت الشمس قليلًا،
كانت الأم وحدها في المحطة،
تعدّ المقاعد،
وتسمع صدى صوته في رأسها،
وتفهم أخيرًا أن بعض الأبناء لا يرحلون إلى مدينةٍ أخرى…
بل يرحلون من العمر نفسه.
أما الفجر،
فقد أنهى مهمته وغادر،
تاركًا النهار يتكفّل بما تبقّى من الخراب.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الغريبةُ والناقوس
- خارج المَتْن / ٦
- أصوات تحت الركام / ٥
- أصوات تحت الركام / ٤
- أصوات تحت الركام / ٣
- أصوات تحت الركام / الناجي
- أصوات تحت الركام / ٢
- امرأة خارج الملف
- ما لا تُصادره الثورات
- طينٌ لا يُغتَفَر
- سيرة رجلٍ لم يعثر على صورته
- قبرٌ في الروح
- وصية لم تكتمل
- صدأ الشالجية
- خارج المتن
- عقد بلا فرح
- وصل الغرامة
- التخلّي البابلي
- شخابيط النزف الأخير
- السترة الاخيرة


المزيد.....




- دراسة: -ثقافة الرجولة- هي السبب وراء قصر عمر الرجال
- مهندس المجاز والهوية.. خليل الشيخ يفكك -سردية محمود درويش ال ...
- أمسية ثقافية في اتحاد الأدباء والكتاب بميسان بعنوان -نبوءات ...
- كاميرا الجزيرة تفضح الرواية الإسرائيلية.. فرون أرض لبنانية ح ...
- بصورة ورسالة مؤثرة.. فنانة مصرية تكشف تفاصيل صادمة عن حالتها ...
- تيم حسن يعود إلى دمشق بـ-هلال رمضان-.. رهان درامي مبكر لموسم ...
- قرابة 1300 حالة وفاة بسبب الحر.. لماذا ترفض أوروبا ثقافة أجه ...
- الفنانة نورا رحّال تفقد ابنها البكر عن عمر يناهز 24 عامًا
- هل وجد -ذات- وريثه السينمائي؟.. كيف يروي -القصص- تاريخ مصر م ...
- 250 عام على استقلال أمريكا.. الانقسامات حاضرة وترمب يحتكر ال ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - وداعٌ عند الفجر / ١