أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - عور العدالة














المزيد.....

عور العدالة


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8590 - 2026 / 1 / 17 - 18:14
المحور: الادب والفن
    


​لم يكن الشارع التجاري في حيّ "السيدية" يهدأ، صخب الباعة يختلط بزفير المحركات. ركن أحمد سيارته بهدوء عند الحافة، أطفأ المحرك، وترجل مع زوجته في جولة قصيرة لم تتجاوز العشر دقائق.
​حين عاد، لم يجد ورقة غرامة واحدة، بل وجد رجلاً بزيّ رسمي يخطّ ببرودٍ عجيب ثلاث غرامات متتالية. اقترب أحمد، كانت عيناه تقرآن بذهول: "عدم ارتداء حزام"، "وقوف ممنوع"، و"سرعة مفرطة".
​تأمل أحمد السيارة الراكنة بسكون، ثم نظر إلى وجه الشرطي الذي لم يرفع رأسه عن دفتره. قال بنبرة هادئة، يحاول أن يستدرج المنطق إلى الحوار:
– "يا أخي، السيارة متوقفة كما ترى، والحزام لم يغادر كتفي إلا حين نزلت، والسرعة.. كيف قستها والسيارة جماد؟"
​رفع الشرطي رأسه ببطء، كانت نظراته حادة، مشحونة بسلطة لا تقبل المراجعة. زفر ضيقاً وقال بجملة قاطعة كالسكين:
– "إنتو ما تمشون إلا بالعين الحمرة!"
​شعر أحمد بمرارةٍ تجتاح حنجرته. لم تكن الكلمة إهانة شخصية بقدر ما كانت "فلسفة" تُدار بها الشوارع. أجاب بصوتٍ خفيض ولكن حازم:
– "أنا مواطن، وهذه العين الحمراء التي تتحدث عنها هي عطب في روح الوظيفة، لا هيبة للقانون."
​لم يحتمل الشرطي فلسفة "المواطن". ضغط على جهاز اللاسلكي، وبنبرة استغاثة مصطنعة أبلغ عن "اعتداء بالكلمات" على مفرزة المرور. في دقائق، تحول الشارع التجاري إلى مسرح لسيارات النجدة. سُحبت الأوراق، واقتيد أحمد وزوجته إلى "القاطع" وسط نظرات المارة التي تخلط بين الفضول والشفقة.
​داخل غرفة التحقيق في المركز، كان الضجيج يملأ المكان، إلا في ركن أحمد الذي التزم صمتاً مهيباً. حين عُرضت الأوراق على قاضي التحقيق الخفر، وقعت عيناه على اسم "المتهم". تجمّدت يده فوق المحضر.
​نظر القاضي إلى الشرطي الواقف بزهو، ثم إلى أحمد الجالس بوقار كأنه يترأس جلسة محاكمة لا كأنه موقوف. نهض القاضي من خلف مكتبه، وتقدم نحو أحمد بخطوات يملؤها الارتباك، وهمس بصوت سمعه الجميع:
– "سيدي المستشار.. ماذا تفعل هنا؟"
​ساد الصمت. كان أحمد هو رئيس محكمة التمييز الذي يُدرّس القضاة معنى العدالة. نظر أحمد إلى الشرطي، ثم إلى القاضي، وقال بهدوء جارح:
– "لستُ هنا بصفتي الوظيفية يا زميلي. أنا هنا بصفة (صاحب العين الحمراء).. جئتُ لأرى كيف يُكتب القانون حين تغلق العدالة عينيها وتفتح عيناً واحدة، حمراء، لا ترى إلا ما تريد."
​التفت أحمد نحو الشرطي الذي بدأت ملامحه تنهار، وأردف:
– "المشكلة ليست في الغرامات الثلاث؛ فالمطرقة التي تكسر الزجاج تصقل الفولاذ.. المشكلة في كم (أحمد) غيري لا يملكون اسماً يحميهم، سيمضون ليلتهم في الزنازين لأنهم ببساطة.. طالبوا بحقهم في التفسير."
​خرج أحمد، تاركاً خلفه المحاضر الممزقة والاعتذارات المتلعثمة. وحين ركب سيارته، نظر عبر المرآة إلى الشارع، كانت أضواء سيارات الشرطة الحمراء والزرقاء تنعكس على الأرصفة، أدرك حينها أن "العين الحمراء" ليست إلا غشاوة تمنعنا من رؤية الإنسان في الآخر.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مرافئُ الصَّمتِ الأخير
- قيامةُ الفقد.. ورثاءُ الروح
- أين عمري ؟
- الفصلية بوصفها نظامًا عشائريًا
- دِيةُ العَقل
- الزنزانة الاخيرة
- الحقيبة القماشية
- المعاملة رقم 412/ب
- شقاوات بغداد
- ضريبة الضمير المتأخر
- تراتيل الغسق الاخير
- وداعٌ عند الفجر / ٣
- وداع عند الفجر / ٢
- وداعٌ عند الفجر / ١
- الغريبةُ والناقوس
- خارج المَتْن / ٦
- أصوات تحت الركام / ٥
- أصوات تحت الركام / ٤
- أصوات تحت الركام / ٣
- أصوات تحت الركام / الناجي


المزيد.....




- -في رأيي لقد سقط النظام-.. المخرج جعفر بناهي عن الاحتجاجات ا ...
- ميلادينوف: لجنة التكنوقراط تمتلك مزيجا جيدا من الخبرات الفني ...
- الممثل السامي لغزة في مجلس السلام: تقليل الفترة الانتقالية ل ...
- من -الحرب- إلى -الأزمة الإنسانية-.. كيف تغير لغة المؤسسات ال ...
- فيلم -التمزق-.. المؤسسات الأميركية على حافة الانهيار
- سوريا: الشرع يرسم اللغة الكردية ويقر -النوروز- عطلة رسمية
- لغز الـ100 مليار شجرة.. هل كُتب تاريخ روسيا على لحاء أشجارها ...
- النوروز -عيد وطني-.. مرسوم سوري تاريخي يعترف بالكرد واللغة ا ...
- الممثلة المصرية جهاد حسام تتحدث لترندينغ عن -كارثة طبيعية-
- غزة تهز المشهد الثقافي الأسترالي.. ما هي قضية راندة عبد الفت ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - عور العدالة