أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - أين عمري ؟














المزيد.....

أين عمري ؟


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8588 - 2026 / 1 / 15 - 23:46
المحور: الادب والفن
    


​قصة قصيرة

​"إن المرء لا ينهدّ مرة واحدة، بل يتآكل في صمتٍ طويل."

​كانت الردهة في بيت "عزيز" باردة دائمًا، حتى في ذروة تموز. لم يكن بيتاً بالمعنى المألوف، بل كان مساحةً لتنفيذ طقوس يومية صارمة. كانت "شروق" تقضي صباحاتها في مسح الغبار عن مزهريات فارغة وأطقم من الكريستال لم تُستخدم قط. أما عزيز، الذي تقاعد قبل سنوات، فقد كان يقضي وقته في مراقبة ساعة الحائط، وكأن لديه موعداً مصيرياً مع "لا شيء".
​ذات مرة، وهي تمشط شعرها أمام المرآة، قال لها دون أن يرفع عينيه عن جريدته:
– "المكياج الكثير لا يليق بامرأة متزوجة".
​لم تجب. وضعت المشط بهدوء، ونظرت إلى وجهها في المرآة. اكتشفت تجاعيد صغيرة حول عينيها؛ تجاعيد لم تأتِ من ضحكٍ قديم، بل من ترقّبٍ طويل لشيءٍ لم يحدث. شعرت فجأة أن جسدها يسير في زمن، وروحها عالقة في زمنٍ آخر لم يبدأ بعد.
​في مستشفى "مدينة الطب"، كان الزحام يغلي. روائح المطهرات، عرق المراجعين، وصمت الانتظار الثقيل. جلست شروق على مقعد خشبي صلب، تراقب المارة خلف زجاج النافذة المطلة على دجلة. حين جاء دورها، دخلت إلى غرفة الفحص. كان الطبيب الشاب، "سيف"، يكتب شيئاً في سجلٍ طبي، ثم رفع رأسه ببطء. لم يكن طبيباً أسطورياً، كان يبدو فقط إنساناً متعباً يعرف معنى أن يكون المرء وحيداً وسط الضجيج.
​نظر في عينيها وقال بنبرة هادئة:
– "شلونج؟"
​سقطت الكلمة في أذنها كوقع المطر على أرضٍ يابسة. لم تكن مجرد تحية عراقية، كانت المرة الأولى منذ سنوات التي يراها فيها أحد كإنسانة، لا كملحق ببيت عزيز.
– "أنا.. بخير"، قالتها وهي تشعر بغصّةٍ في حنجرتها.
​لم يقل سيف كلاماً عاطفياً، ولم يقدّم وعوداً بالخلاص. عاد ليكتب في أوراقه. لكن في تلك اللحظة، شعرت شروق أن الحائط الذي يحمي جدران بيت عزيز قد تصدع فعلاً. خرجت من الغرفة، ومشت في ممرات المستشفى الطويلة، تشعر بوطأة خطواتها على الأرض لأول مرة؛ خطوات لها وزن، ولها اتجاه.
​وقفت على جسر باب المعظم. دجلة في الأسفل كان يمضي عكراً، يجرّ خلفه القصب الطافي وأسرار المدينة. الناس يمرون سراعاً، والسيارات تطلق أبواقها، ولا أحد يلاحظ امرأة بعباءة عادية تقف عند الحافة.
​فكرت في عزيز؛ هو الآن بانتظار الشاي. سيوبخها على التأخير، ثم يضبط المنبه وينام. وفكرت في سيف، الذي ربما استقبل الآن مريضة أخرى ونسي ملامحها تماماً. لم يكن هناك صراخ في رأسها، فقط غيوم رمادية تمر فوق بغداد ببرود.
​تحسست شروق حقيبتها الصغيرة. كانت خفيفة، خفيفة لدرجة أنها لا تشبه ثقل السنوات التي قضتها في ذلك البيت. لم ترتبك، ولم تسأل "ماذا سأفعل؟". بدلاً من ذلك، استدارت ومشت عكس اتجاه البيت، عكس اتجاه الساعة الحائطية، وعكس اتجاه الانتظار.
​ومع كل خطوة تبتعد بها عن الجسر، كان هناك سؤال واحد يتردد بداخلها، سؤال لا يُغفر تأجيله:
"وين عمري؟".
​مضت في الزحام، واختفت كقطرة ماءٍ عادت أخيراً إلى النهر



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفصلية بوصفها نظامًا عشائريًا
- دِيةُ العَقل
- الزنزانة الاخيرة
- الحقيبة القماشية
- المعاملة رقم 412/ب
- شقاوات بغداد
- ضريبة الضمير المتأخر
- تراتيل الغسق الاخير
- وداعٌ عند الفجر / ٣
- وداع عند الفجر / ٢
- وداعٌ عند الفجر / ١
- الغريبةُ والناقوس
- خارج المَتْن / ٦
- أصوات تحت الركام / ٥
- أصوات تحت الركام / ٤
- أصوات تحت الركام / ٣
- أصوات تحت الركام / الناجي
- أصوات تحت الركام / ٢
- امرأة خارج الملف
- ما لا تُصادره الثورات


المزيد.....




- متحف النصر يحيي ذكرى الحرب الوطنية العظمى بمعرض تشكيلي للفنا ...
- رواية -غرفة حنا دياب- تفك شفرة الهوية الحلبية وأسرار ألف ليل ...
- فقر بـ-فلاتر- وموسيقى مرحة.. كيف يجمّل -ورد على فل وياسمين- ...
- فنون الطبخ المتوسطي تتألق في تونس استعدادًا للموسم السياحي
- -هندسة التمثيل-: قراءة تحليلية في تعديلات النظام الانتخابي ا ...
- أوبرا -الحرب والسلام- لكونشالوفسكي تفتتح مهرجان -بروكوفييف ل ...
- -مخاطر مهنية-.. فيلم فلسطيني عن التهجير في القدس
- مغامرة بين -مرتزق- و-كاتب فاشل-.. موعد عرض فيلم -صقر وكناريا ...
- فنان روسي بارز يشكك في صحة بعض فيديوهات الباليه الرائجة على ...
- من -خان الحرير- إلى -كسر عضم-.. رحيل الفنان السوري أسامة الس ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - أين عمري ؟