أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - الحقيبة القماشية














المزيد.....

الحقيبة القماشية


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8584 - 2026 / 1 / 11 - 10:53
المحور: الادب والفن
    


​كانت الحقيبة القماشية التي تسلمتها "منى" تشبه حياتها تماماً: باهتة، خفيفة، ولا تحوي سوى أشياء لا تخص أحداً غيرها. عند البوابة الحديدية لدار "الأمل"، لم يودعها أحد. الموظفة التي سلمتها الأوراق كانت تراجع جدول غدائها بضجر، والمديرة التي كانت تتحدث يوماً عن "القوة في حضور الألم" كانت مشغولة بتوبيخ طفل آخر في الممر الخلفي.
​وضعت منى قدمها على الرصيف. في تلك اللحظة، لم يشعر الشارع بالارتباك، لم تتوقف السيارات، ولم تلتفت الوجوه العابرة. تذكرت فجأة كلمات أبيها البعيدة -التي شاخت في ذاكرتها كصورة فوتوغرافية احترقت أطرافها-: "العالم لا يحتاج أكثر منكِ أيتها البرعم الصغير". تساءلت بمرارة وهي تراقب انعكاس وجهها الشاحب في زجاج واجهة عرض قريبة: أي برعم يصمد أمام دهس عجلات سيارة لم تترك خلفها سوى رائحة المطاط المحترق وصمت اليتم؟
​اتجهت نحو "الحي القديم". هناك، حيث تقطن رائحة الماضي التي رفضت أن تتبناها. طرقت باب "البيت الكبير". فتحت لها امرأة بنظرة رابية، خلفها يظهر أثاث مذهب وصور لعائلة مكتملة الأطراف.
​"أنا ابنة أحمد وليلى.." قالتها منى، وهي تشعر بلسانها ثقيلاً كأنه ينطق لغة بائدة.
جاء صوت رجل من الداخل، حاداً كشفرة: "أخبريها أننا لا نملك صوراً قديمة، ولا نملك أرشيفاً للخطايا. الدم الذي سكبته ليلى حين أدارت ظهرها لنا، جفَّ منذ زمن".
​انغلق الباب. لم تبكِ منى. تعلمت في "الدار" أن الدموع هي أول تنازل يقدمه الإنسان للهزيمة. مشت لساعات، تستعيد ذاكرة قدميها الصغيرتين حين كانت في السابعة. تذكرت كيف كان الرصيف هو وسادتها الوحيدة التي لا تخونها، وكيف كانت رائحة الخبز الطازج من المخابز البعيدة تعمل كمنبه لمعدة لا تعرف الرفاهية.
​مرت سنوات من العمل في الظلال؛ غسل الأطباق في مطاعم رخيصة، تنظيف مكاتب لا يراها أصحابها، والنوم في غرف ضيقة لا تدل على هوية ساكنها. كانت منى تعيش "على الهامش"، كجملة اعتراضية في نص طويل لا يحتاجها.
​حتى جاء ذلك الصباح. وقفت أمام بوابة "دار الياسمين" للأيتام، لكن هذه المرة كطالبة عمل.
قالت للمديرة بلهجة خالية من الاستجداء: "أعرف كيف ينام الصغار حين يبرد العالم، وأعرف كيف أصمت معهم حين لا يجدون جواباً لسؤال: أين هم الآن؟".
​في أول نوبة ليلية لها، تعثرت بطفلة تقبع في ركن مظلم من الرواق، تضم ركبتيها إلى صدرها وتطلق شهيقاً متقطعاً. اقتربت منى، لم تحاول أن تمنحها وعوداً وردية، ولم تخبرها أن العالم سيكون بخير. اكتفت بالجلوس بجانبها على الأرض الباردة، ووضعت يدها الخشنة بفعل سنوات العمل فوق يد الطفلة الصغيرة.
​نظرت الطفلة إليها بعينين متوسلتين: "هل سيأتي أحد ليأخذني؟".
ابتسمت منى ابتسامة خفيفة، لم تكن سعيدة ولا حزينة، بل كانت ابتسامة "فهم". قالت بصوت هادئ كأنه صلاة: "ربما لا يأتي أحد يا صغيرتي، لكنني هنا.. لنختبر معاً كيف نكون نحن (الجمعة) التي ننتظرها".
​في تلك اللحظة، وللمرة الأولى منذ حادثة السيارة القديمة، شعرت منى أن حقيبتها القماشية لم تعد خفيفة، وأن اسمها الذي سقط من ذاكرة عائلتها، قد نُحت للتو في ذاكرة أخرى



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المعاملة رقم 412/ب
- شقاوات بغداد
- ضريبة الضمير المتأخر
- تراتيل الغسق الاخير
- وداعٌ عند الفجر / ٣
- وداع عند الفجر / ٢
- وداعٌ عند الفجر / ١
- الغريبةُ والناقوس
- خارج المَتْن / ٦
- أصوات تحت الركام / ٥
- أصوات تحت الركام / ٤
- أصوات تحت الركام / ٣
- أصوات تحت الركام / الناجي
- أصوات تحت الركام / ٢
- امرأة خارج الملف
- ما لا تُصادره الثورات
- طينٌ لا يُغتَفَر
- سيرة رجلٍ لم يعثر على صورته
- قبرٌ في الروح
- وصية لم تكتمل


المزيد.....




- التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية
- الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟ ...
- موسكو تُعيد إحياء منزل -المعلّم- من رواية -المعلّم ومارغريتا ...
- اختبار اللغة السويدية للحصول علي الجنسية قد يتأجل مجددا
- مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا
- إعلام لبناني: إخلاء سبيل فضل شاكر في 3 ملفات وترجيح حسم الرا ...
- في الذكرى الـ 250 للاستقلال، كيف أعادت أمريكا اختراع اللغة ا ...
- أعقاب سجائر ومفتاح مكرر يكشفان سارقي منزل الفنانة منى واصف
- -خطوة صبيانية-.. سخرية واسعة على منصة -إكس- من نواب بريطانيي ...
- فنانو اليمن بين الحرب والجوع.. حين تُباع اللوحات لتبقى الحيا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - الحقيبة القماشية