أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ضريبة الضمير المتأخر














المزيد.....

ضريبة الضمير المتأخر


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8579 - 2026 / 1 / 6 - 09:52
المحور: الادب والفن
    


​لم يكن الرائد أحمد سعدي يؤمن بالصدف؛ ففي عقيدة المحقق، "الصدفة" هي الثغرة التي يتسلل منها العجز، أو الستار الذي يُسدل على حقيقةٍ يُراد لها أن تُقبر.
​كان أمامه ملف تزوير روتيني؛ أختام مقلدة، أسماء باهتة، واعترافات جاهزة لا تستحق سهر ليلة. لكنّ اسماً كُتب بخطٍ جانبي مائل في الهامش جعله يتصلب في مقعده: كامل عبد الله.
​شعر بوخزة في ذاكرته. هذا الاسم لم يكن عابراً؛ إنه "الخيط الضائع" من قضية قُيّدت قبل خمسة عشر عاماً ضد مجهول، وأُغلقت ببرود مريب.
​هبط إلى الأرشيف. هناك، في الدرج السفلي الذي يكسوه الغبار ككفن، وجد الملف القديم. كانت الأوراق متناسقة بشكل يثير الريبة، والاعترافات مقتضبة تخلو من التفاصيل الإنسانية، وتقرير الطب الشرعي مبتوراً في اللحظة التي يجب أن يتكلم فيها الجرح.
​وفي أسفل الصفحة الأخيرة، تجمدت عيناه على توقيعٍ صغير، بائس، ونحيل:
"الملازم أحمد سعدي"
​في تلك اللحظة، شعر ببرودة المعدن تسرع في عروقه. عاد "الليل القديم" بكل ثقله؛ تذكر رتبةً أعلى منه كانت تفيض بالثقة، وملهىً ليلياً صار مسرحاً للجريمة، وشاهداً أُحضر في الفجر وهو يرتجف. تذكر الكلمة التي قيلت له يومها بلهجةٍ لا تقبل الجدل: "القضية محسومة يا بني.. وقع فقط لنمضي قدماً".
ووقع.
​في الصباح التالي، لم يعد أحمد سعدي ذلك الملازم المهادن. كتب تقريراً بفتح التحقيق من جديد بناءً على "معطيات مستجدة". لم يبتسم له أحد في الرواق، وصار صمت زملائه أثقل من الضجيج.
​استُدعي "كامل عبد الله". كان رجلاً حطمه الزمن، شاحباً كجدار قديم. حين حاصره أحمد بالتناقضات، انهار الرجل، لم يبكِ، بل قال بصوتٍ كأنه يأتي من بئر عميق:
"لم أرَ شيئاً.. لقد استعاروا عينيّ ليرسموا بهما جريمة تناسبهم. قالوا إن لم أوقع، سأمحي اسمك من سجلات الأحياء".
​لم يسأله أحمد: "من؟". كانت الحقيقة تملأ الغرفة كدخان كثيف.
​بعد أيام، بدأت "الظلال" تتحرك. سيارة غريبة ترابط أسفل منزله، وهاتف صامت لا ينطق إلا بكلمة واحدة من رقم مجهول: "اترك الموتى في قبورهم.. فالماضي لا يُغفر".
​لكنه فعل العكس. كتب تقريره النهائي، تقريراً لم يكن مجرد سرد لجريمة، بل كان خريطة لشبكة عنكبوتية من التزوير، وشهود الزور، وحماية تمتد إلى طوابق عليا لا تصلها أشعة الشمس.
​في تلك الليلة، قرر البقاء في مكتبه. كان يدرك أن الحقيقة في هذه الأروقة ليست "نوراً"، بل هي "قيد إعدام".
​في الصباح، وُجد الرائد أحمد سعدي جالساً خلف مكتبه، مسدسه الرسمي في يده، ورصاصة واحدة في الصدر.. رصاصة قريبة جداً من القلب، وكأنها أُطلقت لتُخرس ذاك الضمير الذي استيقظ بعد فوات الأوان.
​صدر التقرير الرسمي قبل أن يجف دمه: "انتحار نتيجة ضغوط مهنية ونوبة اكتئاب حادة". أُغلق الملف في ساعات، دون ضجيج، ودون شهود.
​بعد أسابيع، وفي نشرة الأخبار، مرّ خبرٌ عابر عن ترقية مسؤول أمني إلى رتبة رفيعة، مشيدين بـ"نزاهته التاريخية" وقدرته على "ضبط الاستقرار في الأوقات الصعبة".
​في اليوم نفسه، لاحظ موظف الأرشيف أن ملف القضية القديمة قد اختفى، أما تقرير الرائد أحمد الجديد، فلم يُسجل في الوارد أصلاً. الشيء الوحيد الذي نجا، كان قصاصة ورق سقطت خلف خزانة المكتب، كتبها أحمد بيده قبل رحيله بلحظات:
"الجريمة لم تكن يوماً طلقة واحدة؛ كانت منظومة كاملة. وفي هذا العالم، من ينجو لا ينجو لأنه بريء.. بل لأنه صار بفساده أعلى من المساءلة."



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تراتيل الغسق الاخير
- وداعٌ عند الفجر / ٣
- وداع عند الفجر / ٢
- وداعٌ عند الفجر / ١
- الغريبةُ والناقوس
- خارج المَتْن / ٦
- أصوات تحت الركام / ٥
- أصوات تحت الركام / ٤
- أصوات تحت الركام / ٣
- أصوات تحت الركام / الناجي
- أصوات تحت الركام / ٢
- امرأة خارج الملف
- ما لا تُصادره الثورات
- طينٌ لا يُغتَفَر
- سيرة رجلٍ لم يعثر على صورته
- قبرٌ في الروح
- وصية لم تكتمل
- صدأ الشالجية
- خارج المتن
- عقد بلا فرح


المزيد.....




- معبد -هابو- بمصر.. تحفة فرعونية تتحدى الزمن
- سيرة حياة نبيّة من القرن الـ18.. أماندا سيفريد في فيلم مليء ...
- أحمد عبد اللطيف: روايتي -أصل الأنواع- تنتمي للكتابات التي يح ...
- -إن غاب القط-.. عندما تقتحم أفلام السرقة شوارع القاهرة
- جائزة الشيخ حمد للترجمة تفتح باب الترشح لدورتها الـ12
- فرنسا: أيقونة السينما الفرنسية بريجيت باردو ستدفن بمقبرة على ...
- الشبكة العربية للإبداع والابتكار توثق عامًا استثنائيًا من ال ...
- شطب أسماء جديدة من قائمة نقابة الفنانين السوريين
- الشهيد نزار بنات: حين يُغتال الصوت ولا تموت الحقيقة
- التجربة القصصية لكامل فرعون في اتحاد الأدباء


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ضريبة الضمير المتأخر