أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - الزنزانة الاخيرة














المزيد.....

الزنزانة الاخيرة


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8585 - 2026 / 1 / 12 - 15:41
المحور: الادب والفن
    


​في مساء شتائيٍّ ثقيل، شقّت سيارة الإصلاحية باحة السجن ببطء، كأنها نذيرٌ يعرفُ مسبقاً ثقل ما تحمله. أربعة وجوه نسائية نزلن تباعاً، أرواحٌ مثقلة بسنواتٍ قادمة لا تشبه ما مضى.
​كان النقيب محمود بانتظارهن، إلى جانبه نادية، مسؤولة القسم، بعينين اعتادتا رؤية الانكسار دون أن تهتزّا. حين وقعت أضبارة "أشواق" بين يديه، لم يكن في التهمة ما يسترعي الانتباه: عشر سنوات.. تزوير مستندات رسمية.
​لكن محمود توقف طويلاً عند الاسم. قرأه مرة ثانية، ثم ثالثة، كأن الورق يخونه. وحين رفعت أشواق رأسها، لم يجد في عينيها استعطافاً ولا خوفاً، بل بروداً غامضاً يثير الريبة بقدر ما يثير الإعجاب.
​منذ ذلك اليوم، صار محمود يراقبها. كانت هادئة، منضبطة، لا تشبه مَن يسكنون هذا المكان. أقنع نفسه —دون دليل— أن امرأة بهذا الثبات لا يمكن أن تكون مجرمة. حذره مدير الإصلاحية: "إياك أن تخلط الواجب بالوهم.. السجن لا يصلح للحب". لكن محمود كان قد عبر الجسر بالفعل.
​تجاوز محمود حدود وظيفته؛ ضغط على الملفات، نبش في الثغرات الإجرائية، واستعان بصمت "كوثر" من قسم الأرشيف كدليلٍ على وجود مؤامرة خفية. ظل يردد لنفسه: "المشاعر لا تخطئ، الملفات هي التي تفعل".
​وبعد شهور من الاستماتة، صدر القرار: الإفراج لعدم كفاية الأدلة.
​خرجت أشواق من السجن، وخرج معها محمود من حياده الوظيفي إلى الأبد. تزوجا في هدوء، وانتقلا إلى البصرة حيث بدأ العالم أكثر زرقة واتساعاً. مضت سنوات الاستقرار سريعة؛ رتبة عقيد، ثلاثة أطفال، وبيتٌ فخم اشتراه بقرض مصرفي تجاوز قدرته على السداد.
​حين ضاقت به السبل، وأُغلقت بوجهه أبواب الاستدانة، وقفت أشواق في الصالة ببرودها القديم ذاته، وقالت بنبرة لا تشبه التوسل:
— "لديّ مبلغ في المصرف.. خذه وسدّد ديونك".
​نظر إليها طويلاً، وشعور قديم بالارتباك يزحف إلى صدره:
— "من أين لكِ هذا المال يا أشواق؟"
​ابتسمت ابتسامة باهتة، هي ذاتها التي رآها خلف القضبان، وقالت بهدوء قاتل:
— "ثمن تلك المستندات التي زورتها قديماً.. لم يجدوها يا محمود، كنتُ قد أودعتها في حسابٍ سري."
​في تلك اللحظة، لم يسمع محمود صوتها. سمع فقط صرير باب السجن القديم.. لكن هذه المرة، كان الباب يُغلق في داخله هو.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحقيبة القماشية
- المعاملة رقم 412/ب
- شقاوات بغداد
- ضريبة الضمير المتأخر
- تراتيل الغسق الاخير
- وداعٌ عند الفجر / ٣
- وداع عند الفجر / ٢
- وداعٌ عند الفجر / ١
- الغريبةُ والناقوس
- خارج المَتْن / ٦
- أصوات تحت الركام / ٥
- أصوات تحت الركام / ٤
- أصوات تحت الركام / ٣
- أصوات تحت الركام / الناجي
- أصوات تحت الركام / ٢
- امرأة خارج الملف
- ما لا تُصادره الثورات
- طينٌ لا يُغتَفَر
- سيرة رجلٍ لم يعثر على صورته
- قبرٌ في الروح


المزيد.....




- حملة “خلّينا نزرع” تُحيي فضاء مدرسة الموسيقى والباليه بالتشج ...
- ابن بطوطة والأمير الصغير في سفر معرفي بمعرض الرباط الـ31 للك ...
- مخرجة فيلم -السودان يا غالي- هند المدب: هدف الحرب الأهلية هو ...
- الشاعر القطري شبيب بن عرار: في الأزمات الشاعر لا يملك ترف ال ...
- المعرض الدولي للكتاب بالرباط يحتفي بالرحالة بن بطوطة
- مهد فن الطهي الراقي في خطر.. كيف تهدد الوجبات السريعة ثقافة ...
- بألحان أم كلثوم.. أطفال غزة يغالبون قسوة النزوح بالغناء لـ - ...
- -متحف الانتحار- يفتح جرح لا مونيدا: المدى تحصل على حقوق ترجم ...
- خسائر فادحة في قطاع الزراعة بجنوب لبنان.. القصف الإسرائيلي ي ...
- الشاعر والكاتب الراحل ياسين السعدي... وحُلم العودة إلى المز ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - الزنزانة الاخيرة