أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ليالي بغداد / 9














المزيد.....

ليالي بغداد / 9


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8597 - 2026 / 1 / 24 - 21:24
المحور: الادب والفن
    


خيطُ "أبو سيفين"

​بعضُ الأزقّةِ لا تنام.. تكتفي بأن تُخفضَ صوتها.

​دخل سلمان منطقة "أبو سيفين" بعد العشاء. الليلُ هنا مألوف، لا يُفزعُ الغرباء لكنه لا يطمئنهم. الأزقّة ضيّقة كأنها تتنفس بصعوبة، والبيوت متلاصقة كأكتافِ رجالٍ متعبين، أما المصابيح فكانت قليلة، اختيرت بعناية كي لا تكشف كل شيء. وعلى بُعد رميةِ حجر، كان دجلةُ يهمسُ بصوتٍ خافت، كأنه شاهدٌ يعرفُ أكثر مما يقول.
​توقّف سلمان عند مقهى شعبي صغير؛ طاولات خشبية نخرها الوقت، وكراسي غير متجانسة، ورجال يلعبون "الدومينو" و"الطاولي" ببرودٍ غريب. لا ضحك عالٍ، ولا شجار مفتعل. في "أبو سيفين"، الصوتُ العالي عورة، والهدوءُ درع.
​مرّ عامل المقهى ويده اليمنى تحكم قبضتها على خمس استكانات متراصة، واليسرى ترنُّ بقدحٍ ضد استكانٍ سادس.. رنّة موسيقية رتيبة هي "شيفرة" المكان للإعلان عن وصول الشاي. وقف أمام سلمان وسأل بجفاءٍ مهذب:
– شاي لو نومي بصرة؟
– نومي بصرة.
ابتسم العامل ابتسامةً باهتة:
– يبرد القلب.. بس يبقى طعمه.
​في الزاوية، كان هناك رجلٌ خمسيني يلعبُ "الطاولي" ضد نفسه. يقلبُ الحجر ببطء كأنه يعيد ترتيب حياته لا اللعبة. قال دون أن يرفع رأسه:
– الغريب يبان حتى لو سكت.
ردّ سلمان بنبرةٍ مستقرة:
– وأنا ما جاي أختفي.
رفع الرجل عينيه قليلاً، وقال بوقارٍ حذر:
– الاختفاء هنا مو دايمًا هروب.. أحيانًا يكون "ستر".
​في الخارج، مرّ شابّان بدراجة نارية بلا لوحة أرقام. لم يلتفتا، ولم يسألا. مجرد مرورٍ كافٍ لإثبات الوجود. "الشقاوة" هنا تعرف حدودها، وتعرف من تتركه يمضي بسلام.
​قطع صمت المقهى صوتُ حجر الطاولي يرتطم بالخشب، حين قال أحد اللاعبين لزميله:
– لا تستعجل.. اللعب الطويل يكشف الغلط.
ابتسم سلمان في سرّه؛ الجملة قيلت في اللعبة، لكنها استقرت في جرحه. سأل الرجل الخمسيني مباشرة:
– مرّ من هنا واحد.. كان يسأل زيادة؟
رتب الرجل حجارته بدقة، ثم أجاب:
– هواي مرّوا.. قليل بقوا.
– وأخوي؟
سكت الرجل لحظة، ثم أردف:
– أخوك كان محترم.. والاحترام هنا يحميك يوم، ويأذيك يومين.
​عاد العامل، والرنّة تسبق خطوته. قال وهو يضع القدح:
– اللي يحب هواي، يتأذّى هواي.
– تحچي عن شنو؟
– عن كلشي.
​تذكّر سلمان وصية أخيه: "بعض الأماكن لا تتحمّل القلوب المفتوحة". هنا، الحبُّ يُخفى مثل المال المهرّب، والغيرة تُدار كأنها صفقة سرية. نهض سلمان؛ لم يطلب أسماءً ولا تفاصيل، ففي "أبو سيفين" التفاصيلُ فخاخ.
​قبل أن يغادر، قال الرجل الخمسيني وهو يجمع "الزار":
– إذا تدور على ناس يغيّرون وجوههم بالليل.. لا توقف هنا هواي. دوّر عليهم بالمكان اللي يبيّضهم الصبح.. هناك كلشي يصير "رسمي".
​فهم سلمان الرمز؛ حيٌّ يرتدي في نهاره غير ليله. مكان تُغسل فيه الأسماء وتُعاد للشارع نظيفة ومعقمة. خرج من الأزقة ببطء، ودجلة ما زال يهمس خلفه. تمتم سلمان وهو يمضي:
"هنا تعلّمت إن الحبّ ما ينقذ.. لكنّه يشرح لماذا تأخّر الإنقاذ."
​بعضُ المحلات لا تجرحك مباشرة.. تتركك تفهم الجرح وحدك.

ربما بقيت رحلة واحدة لسلمان ليكشف الحقيقة ...ابقى معنا .



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ليالي بغداد / 7
- كراج العلاوي / 8
- ليالي بغداد / 6
- ليالي بغداد / 5
- ليالي بغداد / 4
- ليالي بغداد / 3
- ليالي بغداد / 2
- ليالي بغداد / 1
- العطش في أرض الماء
- عور العدالة
- مرافئُ الصَّمتِ الأخير
- قيامةُ الفقد.. ورثاءُ الروح
- أين عمري ؟
- الفصلية بوصفها نظامًا عشائريًا
- دِيةُ العَقل
- الزنزانة الاخيرة
- الحقيبة القماشية
- المعاملة رقم 412/ب
- شقاوات بغداد
- ضريبة الضمير المتأخر


المزيد.....




- جيهان الشماشرجي أمام محكمة الجنايات.. القصة الكاملة للاتهاما ...
- معرض الكتاب الدولي في لندن: مساحة خاصة للتلاقح الحضاري
- مع عثمان العمير في -دو?ر ستريت-.. ضياء العزاوي يرمم ذاكرة ال ...
- إيران في السينما الأمريكية.. استراتيجية هوليوود في شيطنة صور ...
- رحيل لطيفة الدليمي.. الروائية العراقية التي تمردت على -سلطة ...
- السور و-سبع سون-.. طقوس رمضانية تصمد أمام هشاشة الحياة في ال ...
- 22 رمضان.. اليوم الذي أعاد هندسة خارطة العالم من بدر إلى مدي ...
- سعيد بوخليط يوثق ذاكرة مراكش بعيداً عن السرديات الجافة
- 150 عامًا في صنع السينما في رويال فيستفال هول
- المثقف التكتيكي: تقلبات المنبر بين الحروب والتحولات


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ليالي بغداد / 9