أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ليالي بغداد / 2














المزيد.....

ليالي بغداد / 2


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8593 - 2026 / 1 / 20 - 14:31
المحور: الادب والفن
    


الأعظمية

بعض البيوت لا تتكلم، لكنها تحفظ الكلام جيدًا.
دخل سلمان الأعظمية بعد العصر. الضوء هنا مختلف؛ لا ينسكب بسخاء، بل يقف عند الأبواب وكأنه يستأذن. الشوارع مرتّبة أكثر مما يجب، والوجوه هادئة على نحوٍ يثير الريبة. في هذا الحي، كل شيء يبدو طبيعيًا… والطبيعي أحيانًا يخفي الكثير.
مشى باتجاه الأزقّة القريبة من الجامع. سمع أصوات أطفال يلعبون، ورائحة طعام تخرج من نوافذ نصف مفتوحة. قال في نفسه:
“هنا يعيش الناس حياتهم كاملة… ويخفون ما لا يريدون تذكّره.”
توقّف عند بائع كتب قديمة يفترش الرصيف. قلّب سلمان كتابًا بلا غلاف.
قال البائع مبتسمًا:
– الكتب مثل الناس… بعضهم نعرف عنوانه، وبعضهم نعرف قصته.
– وأيّهم أخطر؟
– اللي نعرف قصته وما نعرف نهايته.
اقترب رجل ستيني، أنيق أكثر من اللازم، كان يراقب الحوار من بعيد. قال وهو يشير إلى الكتاب:
– هذا مو مكان قراءة… هذا مكان تذكّر.
نظر إليه سلمان:
– أدوّر على شخص كان يجي هنا.
– هواي يجون… قليل يتركون أثر.
جلس سلمان على مصطبة حجرية قرب بيت قديم بشناشيل خشبية. فتح ساعة الجيب، نظر إلى الحرفين المحفورين، ثم أغلقها. شعر بأن أحدًا يراقبه. التفت، فرأى شابًا في أوائل العشرينات يقف عند باب البيت، يحمل صينية شاي.
قال الشاب بتردد:
– تريد شاي؟
– إذا ما يثقل الكلام.
ابتسم الشاب ابتسامة سريعة:
– الكلام هنا يثقل لوحده.
جلس الشاب قربه، وضع الصينية، وقال بصوت منخفض:
– أبويه كان يقول: الأعظمية مو حيّ… الأعظمية ذاكرة.
– وشنو تسوي الذاكرة؟
– تختار شنو تتذكر… وشنو تنسى.
مرّ رجل مسنّ، توقّف عند الشاب وقال بلهجة آمرة:
– لا تطوّل الحچي.
رد الشاب بهدوء:
– آني ما حكيت شي.
فهم سلمان الرسالة. هنا، الصمت ليس خوفًا دائمًا، بل أسلوب حياة. سأل سلمان الرجل الستيني الذي عاد يقف قريبًا:
– إذا واحد شاف شي وما حچاه… شنو يصير؟
أجابه الرجل دون تردد:
– يعيش أطول.
ضحك سلمان ضحكة قصيرة بلا فرح:
– وأخوي؟
تجمّد الرجل لحظة، ثم قال:
– أخوك اختار يعرف أكثر من اللازم.
وقف سلمان. لم يطلب اسمًا، ولم يضغط بسؤال. كان يعرف أن الخيط هنا رفيع جدًا؛ يُرى ولا يُمسك. ودّع بائع الكتب، فقال له الأخير:
– إذا تريد الحقيقة… دور عليها بمكان ما يخاف منها.
خرج من الأعظمية ببطء. خلفه، بقيت البيوت صامتة، كأنها تقول ما لا يُقال. شعر بأن الطريق صار أوضح، وأن بعض الأحياء لا تخفي الجريمة… بل تخفي الشهود.
بعض الأماكن لا تقتل، لكنها تعلّمك لماذا قُتل غيرك.

* لا تذهب بعيدا ، انتظر القصة التالية لمواصلة البحث .



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ليالي بغداد / 1
- العطش في أرض الماء
- عور العدالة
- مرافئُ الصَّمتِ الأخير
- قيامةُ الفقد.. ورثاءُ الروح
- أين عمري ؟
- الفصلية بوصفها نظامًا عشائريًا
- دِيةُ العَقل
- الزنزانة الاخيرة
- الحقيبة القماشية
- المعاملة رقم 412/ب
- شقاوات بغداد
- ضريبة الضمير المتأخر
- تراتيل الغسق الاخير
- وداعٌ عند الفجر / ٣
- وداع عند الفجر / ٢
- وداعٌ عند الفجر / ١
- الغريبةُ والناقوس
- خارج المَتْن / ٦
- أصوات تحت الركام / ٥


المزيد.....




- 150 عامًا في صنع السينما في رويال فيستفال هول
- المثقف التكتيكي: تقلبات المنبر بين الحروب والتحولات
- -الخروج إلى البئر-.. حبكة سامر رضوان وبراعة الممثلين تعوضان ...
- هرمجدون.. أفلام -الخوف من الفناء- تعود للواجهة مع كل حرب
- كأس الشوكران: حياة سقراط المليئة بالأسئلة ومحاكمته المثيرة ل ...
- خيال سينمائي مع صور قصف حقيقي.. إدارة ترامب تروج لحربها ضد إ ...
- 21 رمضان.. عقيقة الحسن ورحيل مؤسس الدولة العثمانية
- في الشوارع ومراكز الإيواء.. رمضان يقاوم الحرب في السودان
- رحيل عاشق الطبيعة الموصلية الفنان الرائد بشير طه
- الحرب على إيران تربك موسم السينما في الخليج وهوليود تترقب


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ليالي بغداد / 2