أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ليالي بغداد / 1














المزيد.....

ليالي بغداد / 1


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8593 - 2026 / 1 / 20 - 10:04
المحور: الادب والفن
    


الخيط الأول ​/ سوق هرج

​بعضُ الأشياءِ لا تضيع.. نحنُ الذين نضيعُ عنها الطريق.

​كان الصباح في الرصافة رطباً، يلفُّ أزقة "باب المعظم" بضبابٍ خفيف، لكنَّ "سوق هرج" لم يعرف الخفة يوماً. استيقظ السوق قبل المدينة، كعجوزٍ يخشى أن يفوته قطار الحكايات، فبغداد إذا تأخرت دقيقةً واحدة، ضاعت منها ألف قصة وقصة.

​مشى سلمان بين البسطات، لم يكن يمشي بل كان "يقرأ" الرصيف. عيناه تلتقطان التفاصيل بدقة مجهرية: ساعةٌ مكسورة العقارب، راديو خذلته أصواته فصمت، حقيبة مدرسية يتيمة، وصور عائلية غادرها أصحابها وبقيت هي تواجه الغبار. الأصوات هنا ليست مجرد ضجيج؛ إنها مزيجٌ من استغاثات البائعين ومساومات المشترين الذين يبحثون عن "لقطة" في ركام الخيبات.

همس لنفسه: "أنا لا أبحث عن خردة.. أنا أبحث عن أثر."

​توقف عند رجلٍ ضرير، يفترش بساطاً عتيقاً، ويمرر أصابعه على المعروضات كأنه يقرأ لغة "برايل" على وجوه المفاتيح والولاعات والسبح.

​صباح الخير عمي. ابتسم الضرير دون أن يرفع رأسه: ​صباح النور.. صوتك غريب على السوق، لكنّه قريب من القلب.

​تردد سلمان، ثم قال بنبرةٍ خافتة:

​أدور على ساعة جيب.. قديمة، نحاسها مطفي. توقفت أصابع الضرير عن الحركة، ثم غاصت في صندوقٍ خشبي صغير، وأخرجت ساعةً كأنها قشرة من ليل بغداد. وضعها في كف سلمان. كانت باردةً برودةَ ماء دجلة في كانون. فتح سلمان الغطاء، فتوقف الزمن في عروقه؛ داخل الغطاء، كان هناك خدشٌ متعمد يشكّل حرفين: (س.ن). ​هذه.. تخصني يا عم. قال الضرير بهدوءٍ مرعب: ​هذه الساعة إلها ريحة موت.. والريح ما تكذب. ​من أين جاءت؟ ​من بيتٍ في "المربّعة".. مات صاحبه، وعرض الورثة حياته للبيع. لا تسألني كيف مات، أنا أبيع "الوقت" ولا أبيع "النعوات".

​قبض سلمان على الساعة كأنه يمسك جمرة. دفع الثمن بصمت، وبينما كان يهمّ بالمغادرة، تعثّر بصوتٍ شابٍ كان يساوم البائع المجاور على راديو خشبي ضخم.

​عمي.. هذا الراديو يشتغل لو بس "هيكل"؟ ضحك البائع وهو يمسح الغبار بخرقةٍ بالية: ​يشتغل إذا كان قلبك يشتغل! رد الشاب وهو يحضن الراديو: ​أريد أسمع بي أغاني السبعينات.. أبوي يقول ذيج الأغاني كانت تلمّ العائلة بصينية وحدة. علق البائع بسخريةٍ مريرة: ​هسه الراديوات ما تلمّ أحد.. بس تذكّرنا بلي ضاعوا.

​لاحظ سلمان أن الشاب يحمل تحت إبطه دفتراً غارقاً ببقع الحبر. سأله بدافع فضولٍ مفاجئ:

​والتريد تسمعه.. راح تكتبه بهذا الدفتر؟ أجاب الشاب وعيناه تلمعان: ​أكتب قصص الناس هنا.. كل قطعة بالسوق وراها "وجع" صاحبه ما كدر يحجيه. تدخل البائع محذراً: ​اكتب.. بس بلا أسماء. الأسماء بوجعها يسوي "تجلّط" بالورق. هز الشاب رأسه معترضاً: ​بس إذا ما ذكرنا الأسماء.. شلون راح نعرف باجر الحق من الباطل؟

​وقعت الجملة على مسامع سلمان كالصاعقة. "الاسم" هو مفتاح القبر، وهو أول الخيط. نظر إلى الشاب بامتنانٍ غامض وقال:

- أحياناً.. اسم واحد يكفي ليرسم طريقاً طويلاً.

​غادر سلمان زحام السوق، مخلفاً وراءه بائع الخواتم الذي يلمع الفضة، والمرأة التي تبحث عن ثيابٍ تستر فقر أطفالها، والصبي الذي يركض بقطعة نحاس كأنه يحمل كنزاً. في سوق هرج، الحياة تشاكس الموت في كل زاوية.

استوقفه رجل سمين، يعرض هواتف مستعملة بضحكةٍ مجلجلة:

​ها حاج.. ما تريد موبايل يخلي الماضي يرنّ بجيبك؟ رد سلمان دون أن يلتفت: - الماضي ما يرن.. الماضي يذبح بسكين عمية.

​عند مخرج السوق، سحب سلمان الساعة، هزّها قرب أذنه.. كانت صامتة. لكن الخدش الصغير في قلبها كان يصرخ. تطلع إلى سماء بغداد التي بدأت تصفو، وقال بصوتٍ لم يسمعه غيره:

​إذا كانت الساعة قد وصلت إلى هنا.. فالمجرم يسكن في مكان ما خلف هذا الزحام.

​مضى يتبع خيطه الرفيع، وفي جيبه زمنٌ متوقف، لكنه للمرة الأولى يعرف أين يضع قدمه.

​بعضُ الحقائق لا تحتاج إلى ضجيج.. تحتاج فقط إلى إنسانٍ يمشي نحوها ولا يلتفت.


لكي تكتمل الصورة ، تابع القصة التالية من ليالي بغداد .



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العطش في أرض الماء
- عور العدالة
- مرافئُ الصَّمتِ الأخير
- قيامةُ الفقد.. ورثاءُ الروح
- أين عمري ؟
- الفصلية بوصفها نظامًا عشائريًا
- دِيةُ العَقل
- الزنزانة الاخيرة
- الحقيبة القماشية
- المعاملة رقم 412/ب
- شقاوات بغداد
- ضريبة الضمير المتأخر
- تراتيل الغسق الاخير
- وداعٌ عند الفجر / ٣
- وداع عند الفجر / ٢
- وداعٌ عند الفجر / ١
- الغريبةُ والناقوس
- خارج المَتْن / ٦
- أصوات تحت الركام / ٥
- أصوات تحت الركام / ٤


المزيد.....




- الفيلم الكوري The Great Flood.. رعب اليوم الأخير لكوكب الأرض ...
- قراءة في كتاب كارل لويث : بين فيبر وماركس
- -سينما قطاع-.. مشروع شبابي في مدينة الصدر
- أنديرا غاندي: من الصعود إلى الاغتيال… أول امرأة قادت أكبر دي ...
- صدور الطبعة الثانية من السردية للكاتب الأردني أشرف الضباعين
- عائشة بنور: النقد عاجز عن مواكبة طوفان الروايات
- لماذا تتصدر الروايات القديمة قوائم القراءة من جديد؟
- بعد استحواذ -نتفليكس- على -وارنر- … ما هو مستقبل السينما؟
- من هي أم سيتي البريطانية التي وهبت حياتها لحبيبها الفرعون؟
- المطرب الموصلي عامر يونس يفتح سيرته الفنية في حوار مع «المدى ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ليالي بغداد / 1