أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ليالي بغداد / 7














المزيد.....

ليالي بغداد / 7


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8597 - 2026 / 1 / 24 - 13:50
المحور: الادب والفن
    


ساحة النهضة
السفر بصحبة الأثر

​بعض الأماكن لا تصرخ بالحقيقة، بل تتركها تسافر في حقيبة مهترئة.
​دخل سلمان "ساحة النهضة" مع أول ضوء للفجر. هنا لا نصب يخلّد التاريخ، ولا هتاف يعلو؛ هنا كراج يبتلع الوداعات ويعيد ترتيب الخيبات. حافلاتٌ مصطفّة كأنها اعتذارات متأخرة، حقائب تُسحب على الإسفلت الخشن فتئنّ، وأصوات مناداة تختلط برائحة الديزل والشاي الثقيل.
​وقف سلمان عند الحافة، يراقب المداخل والمخارج بعينين لم تناما منذ ليلتين. قال في نفسه: “المدن تُخفِي أسرارها في الساحات العامة، وتُهرّب قتلتها من الكراجات.”
​اقترب بائع شاي بعربة صغيرة، وضع قدحاً أمام سلمان وقال بصوتٍ غلبه السهر:
– الصبح هنا طويل يا أستاذ.
– لأن الناس تحسبه بعدد السفرات؟
ضحك الرجل بمرارة:
– لا.. بعدد الذين يرجعون، وهم قليل.
نظر سلمان إلى البائع بحدة، ثم أخرج من جيبه صورة مطوية بعناية، وضعها بجانب قدح الشاي وسأل:
– وقبل عامين.. هل تذكر شاباً مرّ من هنا يشبهني؟ كان يحمل حقيبة جلدية سوداء.. ولم يرجع؟
​صمت البائع، قلّب نظره بين الصورة ووجه سلمان، ثم تنهد:
– يا أستاذ، في "النهضة" الوجوه تتشابه تحت الغبار. لكن صاحب هذه الصورة.. أذكره جيداً. لم يسافر وحده، كان يتبعه ظلان، ركبا معه في الحافلة الأخيرة، وعادت الحافلة دونهما ودونه.
​جلس سلمان على مقعد معدني بارد، ملمسه يذكّره ببرودة المعدن الذي غُدر به أخوه. فتح ساعة الجيب، مرر إصبعه على الحرفين المحفورين، لم يكن يقرأ الوقت، بل كان يتحسس "الوعد" بالقصاص. سمع صوت امرأة خمسينية تمسك بيد شاب في أوائل العشرينات، تشرح له الطريق كأنها ترسم له خارطة النجاة.
– لا تنسى.. إذا وصلت، دگّ (اتصل).
– أدگّ يمّه، بس الشبكة ضعيفة هناك.
– دگّ حتى لو ضعيفة.. الصوت الملهوف يوصل دائماً.
​مرّ سائق حافلة، صوته خشن كأنه شرب الرمل:
– عمارة.. بصرة.. مقعدين ونطلع!
سأله سلمان بنبرة هادئة لكنها ثاقبة:
– وهذان المقعدان.. هل يركبهما دائماً من لا ينوي العودة؟
– السفر هنا قليل يا أخوي.. الهروب هو الذي يملأ المقاعد.
​اقترب منه رجل يُلقّبونه “أبو الطريق”، وجهه خارطة من التجاعيد لا تحملها الهواتف. رمق الساعة في يد سلمان وقال:
– الساعات هنا لا تنفع، الطريق هو الذي يحسب الوقت.. عمن تبحث؟
– أدور على الذين غادروا بدم أخي.. والذين تركوا أثراً لا يمحوه الزمن.
– الكل يمر من هنا، والكل يترك أثراً. لكن الأثر يبان قبل السفر، أما بعده.. فيصبح ريحاً.
​أشار "أبو الطريق" إلى شاب يحمل حقيبة صغيرة، يقف وحيداً بمعزل عن الناس.
– هذا مثلاً.. مسافر ولا يريد أحداً يودّعه. لأن الوداع يجعل الرجعة "ديناً"، والهارب من دمه لا يحب الديون.
​اقترب الشاب من سلمان وسأله عن اتجاه حافلة البصرة. أجابه سلمان وهو يدقق في ملامحه، باحثاً عن لمحة غدر تشبه تلك التي قتلت أخاه. شدّ الشاب حقيبته وقال:
– أول مرة أسافر وحدي.
– وآخر مرة؟
ابتسم الشاب بحذر:
– إذا وصلت حياً.. سأخبرك.
​فهم سلمان الرسالة؛ في بغداد، بعض الكلام لا يُقال إلا بعد تجاوز السيطرة الأخيرة. تذكّر أخاه، تذكّر أنه مرّ من كراجٍ يشبه هذا، بحقيبة خفيفة وكلام ثقيل غيّبه الموت.
سأل سلمان "أبا الطريق" سؤاله الأخير:
– إذا غادر القاتل ولم يعد.. كيف نجده؟
أجاب الرجل وهو يبتعد:
– ندوّر على الورق الذي سافر قبله.. الجرائم دائماً ترسل رسائلها قبل أن يركب أصحابها الباص.
​دوّى نداء الرحلة. تحرّكت الحافلة ببطء، نافضةً دخانها الأسود في وجه الانتظار. رفعت المرأة يدها مودعة، لم تبكِ، بل اكتفت بنظرة جمدت فيها الدموع حتى غاب الصوت. التفتت إلى سلمان وقالت كأنها تقرأ ما في صدره:
– الذي يريد الحقيقة يا ابني.. لازم يتحمّل برودة انتظارها.
​نهض سلمان. لم يسافر، ولم يودّع أحداً. لكنه عرف الآن أن الخيط الذي يبحث عنه مرّ من هنا، تاركاً خلفه رائحة "خيانة" لا يمحوها ديزل الشاحنات. خرج من ساحة النهضة مع ارتفاع الشمس، يجرّ خلفه ظلاً طويلاً. قال بصوتٍ خافت:
“إذا لم تتكلّم الساحات، فالكراجات تتكفّل بفضح الهاربين.”
​بعض الحقائق لا تُحمل على الأكتاف في الجنازات، بل تُوضع في حقائب المسافرين وتمضي.. وسلمان، صار يعرف الآن أي حافلة عليه أن يتبع.

* اتبعني الى القصة التالية .



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كراج العلاوي / 8
- ليالي بغداد / 6
- ليالي بغداد / 5
- ليالي بغداد / 4
- ليالي بغداد / 3
- ليالي بغداد / 2
- ليالي بغداد / 1
- العطش في أرض الماء
- عور العدالة
- مرافئُ الصَّمتِ الأخير
- قيامةُ الفقد.. ورثاءُ الروح
- أين عمري ؟
- الفصلية بوصفها نظامًا عشائريًا
- دِيةُ العَقل
- الزنزانة الاخيرة
- الحقيبة القماشية
- المعاملة رقم 412/ب
- شقاوات بغداد
- ضريبة الضمير المتأخر
- تراتيل الغسق الاخير


المزيد.....




- بالفيديو.. سقوط مروع لمصارع في الفنون القتالية
- الصراحة المهنية وبناء ثقافة الشفافية المؤسسية
- فيلم -صوت هند رجب- يرشح لجائزة أوسكار
- أزمة الفنان محمود حجازي وزوجته تصل للنيابة.. روايتان وتحقيقا ...
- معارض لندن لسنة 2026 تتحدى إيقاع الحداثة وتتصالح مع الفن الم ...
- مهرجان دولي للصورة في طنجة تحت شعار -نداء البعيد-
- فيلم -بعد 28 عاما-: رعب دائم وجائحة تحتل الذاكرة الجماعية
- نص سيريالى بعنوان(نشيد العطب اَلأخِير)الشاعرمحمدابوالحسن.الا ...
- من شوارب الدروز إلى ظفائر الكرديات.. وقائع متكرّرة تكشف -ثقا ...
- فيلم -أشخاص نلتقيهم في الإجازات-.. هل تسقط أحكام الحب بالتقا ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ليالي بغداد / 7