أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ليالي بغداد / 6














المزيد.....

ليالي بغداد / 6


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8596 - 2026 / 1 / 23 - 09:07
المحور: الادب والفن
    


اختبار الفضل

​بعض الأحياء لا تكبر، نحن الذين نكبر عنها، وهي تزداد عتاقةً كخمرٍ مُعتّق في جرة طين.
​دخل سلمان حي "الفضل" في تلك الساعة الميتة ما بين العصر والمغرب. هنا، الضوء خافتٌ حتى في وضح النهار، كأن الأزقة تعمدت حجب الحقيقة، واتفقت جدرانها المتشققة على ألا تُظهر كل ما تعرفه. الأبواب الخشبية، بمساميرها الصدئة، لا تُغلق بإحكام، لكنها تمتلك حاسةً سادسة؛ تعرف من يطرقها بلهفة، ومن يمرّ بها بـمرور الشك.
​مشى سلمان ببطءٍ مدروس. في الفضل، السرعة تهمة، والانتباه عبءٌ لا يحتمله الغرباء. اخترق مسمعه نداء بائع خضار يلملم ما تبقى من يومه، وصوت مذياعٍ بعيد يبث أغنية من زمنٍ لم يعد موجوداً إلا في هذا الزقاق. توقف عند دكانٍ صغير، عبارة عن حفرة في جدار، يبيع السجائر المفردة والزمن الضائع. صاحب الدكان رجلٌ ستيني، بوجهٍ حفرت فيه الخيبات أخاديد عميقة، لكن عينيه كانتا بحدّة نصلٍ قديم.
​سأله سلمان، وصوته يمتزج بخشخشة الورق:
— "منو يضبط الحي هالأيام؟"
​ضحك الرجل ضحكة قصيرة، جافة كخشب التابوت:
— "الحي ما ينضبط يا ابني.. الحي يتعايش."
​قبل أن يرتد صدى الكلمة، اقترب شابان. أحدهما كان يوزع نظراته على مداخل الزقاق أكثر من وجه سلمان. اشترى سيجارة، وبطرف لسانه قال بصوتٍ كأنه وشوشة:
— "لا توكف هنا هواي."
— "ليش؟"
— "لأن الوقفة الطويلة.. تتفسّر."
​فهم سلمان الدرس الأول: هنا، الحركة معنى، والسكون ريبة، وكل تأويل قد يؤدي إلى ندمٍ متأخر.
​تعثرت امرأة عجوز تحمل كيس خبزٍ يفوح منه صراع البقاء. مدّ سلمان يده ليسندها، فقالت وهي تمسح عرق جبينها بطرف شيلتها السوداء:
— "الله يحفظك.. هالحي بعده بخير، بس الخير يتعب."
— "شنو تقصدين بالخير خالة؟"
— "اللي يعرف شوكت يسكت.. ويعرف متى يحچي."
​تركته ومضت، تاركةً خلفها لغزاً بغدادياً قديماً. في آخر الزقاق، انكسر الصمت بضحكاتٍ عالية، مجموعة شبان يتحلقون حول دراجة نارية، يتبادلون الكلام بجرأةٍ بدت لسلمان وكأنها درعٌ واقٍ. قال أحدهم بصوتٍ مسموع: "اليوم الدور علينا"، فردّ الآخر ببرود: "لا تستعجل.. الفضل تحب الصبر".
​لم يكن التهديد نطقاً، بل كان رائحةً في الجو. لمس سلمان الجدار؛ الطلاء يتقشر تحت أصابعه، لكن السطح كان دافئاً، كأنه جسدٌ حي. تذكر وصية أخيه: "الفضل يشبه دفتراً قديماً.. إذا فتحته خطأ، تمزقت صفحاته بين يديك."
​انبثق من العتمة رجلٌ نحيل، ملامحه مألوفة للحد الذي يجعلك تظن أنك رأيته في حلمٍ منسي. سأل بهدوءٍ لا يكسر هيبة المكان:
— "تدور على شخص؟"
— "أدور على خيط."
— "الخيوط هنا قصيرة.. بس توصّل بسرعة."
— "إلى وين؟"
— "إلى ناس.. ما تحب الأسئلة."
​سكتت الأرض للحظة. مرّ طفلان يركضان، تجمدت حركتهما حين رأت الأعين المتقابلة، ثم عادا للعب بحذرٍ مبكر. في الفضل، حتى الطفولة تعرف متى تختبئ.
​قال الرجل النحيل وهو يميل برأسه:
— "أخوك كان يسأل."
دقت نبضة في صدغ سلمان:
— "شنو كان يريد؟"
— "كان يريد يعرف.. منو يبيع الخوف، ومنو يشتريه."
​لم يزد الرجل حرفاً. أدار ظهره ومضى كأنه لم يكن موجوداً أصلاً. شعر سلمان أن الحي كله يراقبه، ليس بعداء، بل بحذرٍ وراثي. لم يظفر باسم، لكنه نال يقيناً مرّاً: أخوه لم يضع، بل اقترب من منطقةٍ تحرّم القرب.
​قبل أن يخرج من شرنقة الزقاق، ظهر الرجل النحيل ثانيةً، أشعل سيجارته، وهمس كمن يملي وصية:
— "الفضل ما تحب الغرباء.. ولا تحب اللي يدگ الباب بزيادة. إذا تدور على اللي يبيعون الخوف بالجملة، لا تضيع وقتك هنا.. روح لكراج العلاوي. هناك الناس تسافر.. وبعضهم يختفي للأبد."
​لم يسأل سلمان. في الفضل، السؤال الثاني خطيئة. هزّ رأسه ومشى، والخيط في يده صار أرفع، لكنه أكثر حدّة.
​عند طرف الشارع العام، التفت خلفه. كانت البيوت تتراصف كجنودٍ قدامى رفضوا مغادرة خنادقهم. تمتم سلمان: "الفضل ما يقتل.. الفضل يختبر."
​مضى نحو "العلاوي"، وهو يدرك أن بعض الأحياء لا تمنحك النهايات، بل تشير لك فقط بسبابةٍ مرتجفة نحو الطريق الوعر.

* رحلتنا طويلة ، لا تذهب بعيدا . انتظرني قرب باب كراج العلاوي



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ليالي بغداد / 5
- ليالي بغداد / 4
- ليالي بغداد / 3
- ليالي بغداد / 2
- ليالي بغداد / 1
- العطش في أرض الماء
- عور العدالة
- مرافئُ الصَّمتِ الأخير
- قيامةُ الفقد.. ورثاءُ الروح
- أين عمري ؟
- الفصلية بوصفها نظامًا عشائريًا
- دِيةُ العَقل
- الزنزانة الاخيرة
- الحقيبة القماشية
- المعاملة رقم 412/ب
- شقاوات بغداد
- ضريبة الضمير المتأخر
- تراتيل الغسق الاخير
- وداعٌ عند الفجر / ٣
- وداع عند الفجر / ٢


المزيد.....




- وزيرة الثقافة المصرية تطمن جمهور هاني شاكر على صحته
- السينما في زمن القلق: مهرجان سالونيك يعيد فتح دفاتر التاريخ ...
- موسم العمالقة.. 10 أفلام تشعل مبكرا سباق السعفة الذهبية في - ...
- صراع الأجيال في الرواية: قراءة نقدية بين المركزية الغربية وا ...
- ما وراء الرصاص: التداعيات الفكرية والمذهبية للمواجهة مع إيرا ...
- صدريات مخملية وعطور وسلاسل ذهبية تكشف شغف تشارلز ديكنز بالمو ...
- بين الموسيقى والوجوه.. الذكاء الاصطناعي يغزو الدراما المصرية ...
- رمضان في مرآة الأدب.. قراءة في أربع تجارب إسلامية
- فيلم إقامة طيبة: قصة استغلال في منتجعات الألب  
- 20 رمضان.. يوم -الفتح الأعظم- وإسقاط الأوثان وبناء القواعد ا ...


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ليالي بغداد / 6