أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ليالي بغداد / 5














المزيد.....

ليالي بغداد / 5


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8594 - 2026 / 1 / 21 - 15:09
المحور: الادب والفن
    


ساحة التحرير

​حين تخرجُ الحقيقةُ إلى الساحة، لا تعودُ ملكاً لصاحبِها.. تصبحُ امتحاناً للجميع.

​دخل سلمان ساحة التحرير قبيل الظهيرة. كان المكان واسعاً على غير عادة الأزقّة التي ألِفها، والهواءُ هناك مشغوبٌ بالأصوات؛ باعة، وعمّال، وشبّان يتجادلون، وسياراتٌ تتوقّفُ ثم تمضي كأنها تخشى الوقوف الطويل. هنا، في قلب بغداد، لا يُهمَسُ بالكلام؛ كلُّ شيءٍ يُقال بصوتٍ قابلٍ لأن يُسمَع، أو لأن يُنسى للأبد.

​وقف قرب نصب الحرية. تطلّع إلى الوجوه البرونزية المرفوعة؛ بدت له كأنها تعرف هذا المشهد جيداً، فقد شاهدت قبله آلاف الصرخات، وبقيت واقفة لأنها لم تُمنَح رفاهية الصمت. حدّث نفسه وهو يلمس جدار النصب البارد: "الأزقّة تعلّم الصمت.. الساحات تُجبرك على الكلام."

​اقترب منه شاب يحمل لافتة كُتب عليها بخطٍ عريض وعفوي: «نريد نعيش». سأله سلمان، وهو يبحث في عيني الشاب عن أثرٍ لأخيه الراحل:

– ليش اخترت هذا المكان بالذات؟

أجابه الشاب دون تردّد، وعيناه تجوبان الأفق:

– لأن الكلام إذا ما انقال هنا.. يضيع بالدرب.

​جلس سلمان على حافة الرصيف، فتح دفتره الصغير الذي بات رفيقه في رحلة البحث عن قتلة أخيه. لم يكتب شيئاً؛ اكتفى بالنظر، فالحقيقة أحياناً تُرى ولا تُدوّن. مرّ بائع شاي بعربته التي تعزف لحناً مألوفاً، وضع قدحاً أمام سلمان وقال باختصار:

– اشرب.. الساحة تتعب.

– وأنا جاي أتعب شوي.. لعلّ التعب يوصلني.

ضحك البائع ضحكةً مرّة:

– التعب هنا يصير شهادة يا عمي.

​وسط الزحام، اقترب رجل خمسيني ببدلة قديمة وربطة عنق مرتخية، في عينيه نظرة "الراصد" القديم. قال وهو يراقب يد سلمان المرتجفة فوق الدفتر:

– تدور على واحد؟

– أدور على خيط.

– انتبه.. الخيوط بالساحات تصير حبال مشانق، أو حبال نجاة.

​سكتا لحظة، قبل أن يضيف الرجل بصوتٍ خفيض:

– قبل سنين، واحد مثلك وقف هنا.. كان يدوّن أكثر مما يهتف.

شدّ سلمان انتباهه، غاص قلبه في صدره:

– وين راح؟

– راح قبل ما تصير الهتافات موضة.. بس اللي كتبه بقى محفور بالرصيف.

​مرّت فتاة تحمل هاتفاً تبثّ مباشرة، وجهها يعكس ضوء الشمس وإصرار الجيل الجديد. توقّفت قرب سلمان وقالت:

– تحچي شي للناس؟

– مو هسه.

– ليش؟

– لأن بعض الكلام إذا انقال بدري.. ينكسر قبل ما يوصل.

هزّت رأسها ومضت، وهي تتمتم: "الصمت أحياناً يكون أعلى من الصراخ".

​فجأة، ارتفعت الأصوات في طرف الساحة. جدال، ثم هتاف تحوّل إلى زلزال بشري. تحرّك الناس ككتلة واحدة، وشعر سلمان بأن المكان يضغط على روحه ليختار: إما أن يظل شاهداً صامتاً، أو يصبح جزءاً من الهتاف. تذكّر كلمات أخيه الأخيرة: «إذا تجمعوا الكل.. الحقيقة تضيع بين الأقدام. ابحث عنها في الزوايا التي لا يلتفت إليها أحد».

​نهض سلمان. لم يهتف، ولم يرفع ورقة. مشى عبر الساحة ببطء، كأنه يقيس المسافة الفاصلة بين الكلمة والفعل، بين القاتل والضحية. فهم الآن أن أخاه لم يأتِ إلى هنا ليصرخ، بل ليضع الحقيقة في مكانٍ لا يمكن لأحدٍ تجاهله، حتى وإن كلفه ذلك حياته.

​عند الحافة المؤدية لشارع الرشيد، التفت ونظر إلى الساحة التي تموج بالحياة والموت معاً. قال بصوتٍ خافت:

“إذا وصلت الحقيقةُ إلى هنا.. فلن تعود وحيدةً أبداً.”

​مضى وهو يدرك أن الخطوة التالية لن تكون في ساحة عامة، بل في مكانٍ تعبره الطرق وتحمل الاعترافات دون أن تشعر. فبعض الحقائق لا تُولد في الساحات.. لكنها تُختَبَرُ فيها.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ليالي بغداد / 4
- ليالي بغداد / 3
- ليالي بغداد / 2
- ليالي بغداد / 1
- العطش في أرض الماء
- عور العدالة
- مرافئُ الصَّمتِ الأخير
- قيامةُ الفقد.. ورثاءُ الروح
- أين عمري ؟
- الفصلية بوصفها نظامًا عشائريًا
- دِيةُ العَقل
- الزنزانة الاخيرة
- الحقيبة القماشية
- المعاملة رقم 412/ب
- شقاوات بغداد
- ضريبة الضمير المتأخر
- تراتيل الغسق الاخير
- وداعٌ عند الفجر / ٣
- وداع عند الفجر / ٢
- وداعٌ عند الفجر / ١


المزيد.....




- القضية الخامسة خلال سنة تقريبًا.. تفاصيل تحقيق نيابة أمن الد ...
- فيلم -عملاق-.. سيرة الملاكم اليمني نسيم حميد خارج القوالب ال ...
- احتفاء كبير بنجيب محفوظ في افتتاح معرض القاهرة الدولي للكتاب ...
- هل ينجح مهرجان المنداري ببناء جسر للسلام في جنوب السودان؟
- مخرجة فيلم -صوت هند رجب-: العمل كان طريقة لـ-عدم الشعور بالع ...
- -أغالب مجرى النهر- لسعيد خطيبي: الخوف قبل العاصفة
- -الفاشية العبرية- من جابوتنسكي إلى -تحسين النسل-: تفكيك الهو ...
- أ. د. سناء الشّعلان تفوز بجائزة أفضل شخصيّة عربيّة في المجال ...
- الممثل التجاري الأمريكي لـ -يورونيوز-: واشنطن ترى في التعريف ...
- جمعية التشكيليين في النجف تفتتح نشاطتها بمعرض فني ل -ليث نور ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ليالي بغداد / 5