أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ليالي بغداد / 3














المزيد.....

ليالي بغداد / 3


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8593 - 2026 / 1 / 20 - 20:14
المحور: الادب والفن
    


الشواكة

المدن القديمة لا تُخفي أسرارها… هي فقط تُورِّثها.

دخل سلمان الشواكة في وقت العصر، حين تميل الشمس لتلمس الجدران المتهالكة بلطفٍ حزين. هنا، البيوت لا تُرمَّم كي تبدو جديدة، بل كي تبقى واقفة. أبواب خشبية عريضة، شبابيك عالية، وأزقّة تعرف وقع الأقدام كما تعرف أسماء أصحابها.
مشى ببطء. شعر أن المكان يعرفه، أو يعرف سبب مجيئه على الأقل. في الشواكة، الغريب لا يُسأل من أين أتى، بل لماذا تأخّر.
توقّف عند بيت قديم بباب أخضر باهت. كانت امرأة مسنّة تجلس على عتبة الدار، تنقّي الرز في صحن معدني. رفعت رأسها وقالت بلا تحيّة:
– تدور على بيت لو على حچي؟
ابتسم سلمان:
– يمكن الاثنين.
هزّت رأسها:
– الحچي هنا قديم… إذا ما تتحمّل، لا تسمعه.
مرّ رجل خمسيني يحمل إبريق ماء، حيّاه باختصار، ثم قال وهو يكمل طريقه:
– الشواكة ما تحچي بسرعة… لأن السرعة تضيّع الأصل.
واصل سلمان السير. كان يسمع أصوات الملاعق من داخل البيوت، رائحة الغداء، وضحكات أطفال يركضون حفاة. قال في نفسه:
“هنا، الحياة تمشي جنب الموت… بلا خصام.”
جلس في مقهى صغير، طاولاته من خشبٍ قديم، وكراسيه غير متشابهة. صاحب المقهى رجل نحيل، وجهه محفور بالتجاعيد، كأن الزمن جلس عليه طويلًا. وضع الشاي أمام سلمان وقال:
– شكلك مو جاي تشرب.
– صحيح… جاي أسمع.
ضحك الرجل:
– السمع بالشواكة أغلى من الحچي.
اقترب رجل آخر، جلس دون استئذان. قال بصوت خافت:
– الأوامر لما توصل لهنا… تكون صارت قَدَر.
نظر إليه سلمان:
– ومن ينفّذ؟
– ناس تعرف إن الاعتراض ما يوكل خبز.
مرّ صبيّ صغير بين الطاولات، يحمل طبقًا من الكليجة. قال لصاحب المقهى:
– أمي دزّتلكياه .
ردّ الرجل:
– الله يخليها… الشواكة بعدهم يتبادلون الأكل، حتى لا يتبادلون التهم.
أخذ سلمان قطعة كليجة، طعمها أعاده سنواتٍ للوراء. سأل الرجل الجالس قربه:
– إذا واحد شاف شي كبير… شيسوي؟
تنهد الرجل:
– إذا ذكي، يسكت. وإذا شجاع، يدفع الثمن.
– وأخوي؟
– أخوك كان شجاع… والشواكة تحترم الشجعان، بس ما تحميهم.
ساد صمت قصير. كأن البيوت نفسها توقّفت عن التنفّس. ثم قال صاحب المقهى:
– اللي صار صار… بس اعرف شي واحد: الدم هنا ما يضيع، بس ياخذ وقت.
نهض سلمان. ودّعهم بإيماءة. خرج إلى الزقاق، لمس الجدار بيده. كان خشنًا ودافئًا في آنٍ واحد. شعر أن الشواكة لم تعطه اسمًا، لكنها أعطته فهمًا: الحقيقة هنا لا تُقال كاملة، لكنها تُعاش كل يوم.
مضى وهو يعرف أن الخيط الذي يبحث عنه يمرّ من هنا، من بين بيوتٍ تعلّمت كيف تعيش بالستر، وتحفظ الحساب ليومٍ لا تستعجل قدومه.
بعض الأماكن لا تفضح الجريمة… لكنها لا تنساها أبدًا .

* لا تستعجل ، اننا في اول الطريق . انتظرني في القصة التالية .



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ليالي بغداد / 2
- ليالي بغداد / 1
- العطش في أرض الماء
- عور العدالة
- مرافئُ الصَّمتِ الأخير
- قيامةُ الفقد.. ورثاءُ الروح
- أين عمري ؟
- الفصلية بوصفها نظامًا عشائريًا
- دِيةُ العَقل
- الزنزانة الاخيرة
- الحقيبة القماشية
- المعاملة رقم 412/ب
- شقاوات بغداد
- ضريبة الضمير المتأخر
- تراتيل الغسق الاخير
- وداعٌ عند الفجر / ٣
- وداع عند الفجر / ٢
- وداعٌ عند الفجر / ١
- الغريبةُ والناقوس
- خارج المَتْن / ٦


المزيد.....




- موسم جوائز يمكن وصفه بالفوضوي يسبق حفل الأوسكار الـ98
- هرر ذات الـ82 مسجدا.. مدينة إثيوبية يستعد أهلها لرمضان بـ-غس ...
- جيهان الشماشرجي أمام محكمة الجنايات.. القصة الكاملة للاتهاما ...
- معرض الكتاب الدولي في لندن: مساحة خاصة للتلاقح الحضاري
- مع عثمان العمير في -دو?ر ستريت-.. ضياء العزاوي يرمم ذاكرة ال ...
- إيران في السينما الأمريكية.. استراتيجية هوليوود في شيطنة صور ...
- رحيل لطيفة الدليمي.. الروائية العراقية التي تمردت على -سلطة ...
- السور و-سبع سون-.. طقوس رمضانية تصمد أمام هشاشة الحياة في ال ...
- 22 رمضان.. اليوم الذي أعاد هندسة خارطة العالم من بدر إلى مدي ...
- سعيد بوخليط يوثق ذاكرة مراكش بعيداً عن السرديات الجافة


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ليالي بغداد / 3