أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - كراج العلاوي / 8














المزيد.....

كراج العلاوي / 8


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8596 - 2026 / 1 / 23 - 16:44
المحور: الادب والفن
    


كراج العلاوي
مرافئ الحقيقة الغائبة

​دخل سلمان كراج العلاوي عند الغروب، في ذلك الوقت الذي يبدأ فيه الضوء بالانسحاب تاركاً المكان لرمادية موحشة. الكراج في بغداد ليس مجرد محطة؛ إنه "برزخ" يمر به من قرروا أن يتركوا خلفهم كل شيء.
الحافلات مصطفة كأنها توابيت حديدية تنتظر بعثاً جديداً، والحقائب تُسحب بصبرٍ متعب على إسفلتٍ أكلته الطرق. هنا لا يسألونك: "لماذا تسافر؟"، بل يكتفون بـ "إلى أين؟".
​وقف سلمان عند بوابة الرحلات البعيدة. كانت النداءات تتصاعد: "صلاح الذين ، موصل ، دهوك .. حلة ، كربلاء ، نجف ، ديوانية .."، أسماء تُلقى في الهواء ليتلقفها التائهون. همس سلمان في سرّه:
​"الأزقة تُخفي الغائبين.. لكن الكراجات تُهرّبهم."
​قطع خلوته بائع شاي بعربة صغيرة، وضع قدحاً أمامه وقال:
— الشاي هنا يبرد بسرعة يا أستاذ.
— ليش؟
— لأن الوداع حار.. والحرارة لا تمكث في مكانٍ الجميع فيه يريد الرحيل.
​جلس سلمان على مقعد معدني، وأخرج ساعة الجيب. لمس الحرفين المحفورين بداخلها.
كانت الساعة متوقفة، لكن نبض البحث في قلبه كان يتسارع. اقترب منه رجل يُلقبونه "أبو الطريق"؛ رجلٌ تجاعيد وجهه تشبه خارطة العراق، لا يحمل دفتراً، لكنه يعرف من مروا من هنا برائحة قلقهم.
​رمق أبو الطريق ساعة سلمان، وقال بصوتٍ رخيم:
— "لا تنظر إليها.. الساعات هنا لا تحسب الوقت، الطريق هو الذي يحسب أعمارنا."
​التفت إليه سلمان، وجد في عيني العجوز ضالته:
— "أبحث عن أثر.. شخص مرّ من هنا وصار جزءاً من الغبار."
— "يا بني، الكل هنا يمر ويترك أثراً، لكن الغبار في العلاوي يغطي حتى النوايا."
— "أخي ليس مجرد مسافر.. ترك كلاماً لم يقله، وساعةً لم تعد تعمل."
​اتكأ أبو الطريق على عصاه، واقترب من سلمان هامساً:
— "أتعرف الفرق بين المسافر والهارب؟ المسافر يحمل حقيبة، أما الهارب فيحمل وجهه. أخوك، هل كان يحمل وجهه بوضوح؟"
رد سلمان بمرارة: "كان يحمل صمتاً أثقل من أي حقيبة."
هز العجوز رأسه وقال: "إذن هو لم يسافر.. هو استبدل حياته بحياة أخرى. في الكراجات، نحن لا نقتل الأسماء، نحن نغيّر وجهتها فقط. ابحث في قوائم الرحلات التي لا تعود، ستجد أن أغلبهم لم يغادروا المدن، بل غادروا أنفسهم."
​أشار أبو الطريق نحو شابٍ يقف بعيداً، يمسك بحقيبة صغيرة جداً:
— "انظر لهذا.. إنه يسافر بلا وداع."
— "لماذا؟"
— "لأن الوداع دَين.. وبعض الديون ثقيلة لدرجة أننا نفضل أن نُعتبر (مفقودين) على أن نكون (مدينين) بدمعة واحدة."
​سأل سلمان بلهفة: "وإذا لم يرجع؟"
أجابه أبو الطريق وهو يبتعد: "الحقيقة في هذا المكان لا تُركب الحافلات.. الحقيقة تظل واقفة على الرصيف، تنتظر من يملك شجاعة السؤال. أخوك ترك أثراً في الورق الذي سبقه، فابحث عن الرسائل، لا عن الوجوه."
​دوّى نداء الرحلة الأخيرة. تحركت الحافلة ببطء، ورفعت امرأة كانت تقف بالقرب منهما يدها مودعة. لم تبكِ، بل اكتفت بنظرة طويلة تلتهم الطريق. التفتت إلى سلمان وقالت كأنها تكمل حوار "أبو الطريق":
— "اللي يريد الحقيقة.. يتحمل برودة انتظارها."
​نهض سلمان. لم يركب الحافلة، لكنه لم يعد خالي الوفاض. عرف الآن أن أخاه لم يختفِ صدفة، بل اختار "الوجهة البديلة". أغلق ساعة جيبه ووضعها في جيبه، ليس كذكرى، بل كبوصلة.
​تمتم وهو يغادر الكراج:
​"إذا صمتت الساحات، فالكراجات تتكفل بالباقي.. والأسماء التي تُبدّل وجهتها، لا بد أن تترك وراءها رسالة في مهب الريح."
​خرج سلمان من العلاوي، والحقيقة بدأت تتضح: بعض الناس لا يموتون، بل يسافرون في صمت حتى تنتهي الطرق.

* وانت سافر معنا الى قصة اخرى في عملية البحث .



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ليالي بغداد / 6
- ليالي بغداد / 5
- ليالي بغداد / 4
- ليالي بغداد / 3
- ليالي بغداد / 2
- ليالي بغداد / 1
- العطش في أرض الماء
- عور العدالة
- مرافئُ الصَّمتِ الأخير
- قيامةُ الفقد.. ورثاءُ الروح
- أين عمري ؟
- الفصلية بوصفها نظامًا عشائريًا
- دِيةُ العَقل
- الزنزانة الاخيرة
- الحقيبة القماشية
- المعاملة رقم 412/ب
- شقاوات بغداد
- ضريبة الضمير المتأخر
- تراتيل الغسق الاخير
- وداعٌ عند الفجر / ٣


المزيد.....




- من شوارب الدروز إلى ظفائر الكرديات.. وقائع متكرّرة تكشف -ثقا ...
- فيلم -أشخاص نلتقيهم في الإجازات-.. هل تسقط أحكام الحب بالتقا ...
- بعد 20 عاما على رحيله.. نجيب محفوظ يحلّق في سماء معرض القاهر ...
- الاحتلال يقتحم مركز يبوس و يمنع عرض فيلم فلسطين 36
- كيف تحولت المدينة من حضن إلى سجن في الروايات العربية؟
- فيكتور هوغو والقرآن.. لقاء متأخر غيّر نظرة أعظم أدباء فرنسا ...
- ترشيح فيلم صوت هند رجب لجائزة الأوسكار
- قائمة المرشحين لجوائز الأوسكار لعام 2026
- صورة مفبركة للفنانة ياسمين عبد العزيز تشعل مواقع التواصل
- بلاغ ضد مديرة أعمال الفنان أحمد مكي بشأن اتهامات بالاستيلاء ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - كراج العلاوي / 8