نعمة المهدي
الحوار المتمدن-العدد: 8602 - 2026 / 1 / 29 - 21:05
المحور:
الادب والفن
هامش المحاضرة
لم يكن يعرفها، ولم يحاول. كل ما في الأمر أن اسميهما كانا يتجاوران في قائمة الحضور؛ اسمها يسبق اسمه بسطر واحد، كأنه يمهد الطريق لمروره.
كانت تجلس في الصف الأمامي، هادئة كأيقونة قديمة، بينما يختبئ هو في الخلف، حيث يمكن للمرء أن يغيب وهو حاضر. في يومٍ مزدحم، قاده القدر إلى المقعد الشاغر بجانبها. جلس، ولم تلتفت.
لاحظ أنها لا تكتب في "المتن"، بل في الهامش. كلمات مائلة، خجولة، كأنها تخشى مزاحمة الدرس. شعر وقتها أن الحقيقة تسكن في تلك الزاوية الضيقة، لا في صراخ الأستاذ عند السبورة.
بعد المحاضرة، تعمّد ترك دفتره. عاد بعد دقائق، وجد الدفتر مكانه، لكنه وجد "الهامش" قد استيقظ. جملة واحدة بخطٍ غريب:
«المحاضرة لا تُفهم دائمًا من المنتصف.»
بدأت اللعبة. صار الهامش بريداً سرياً.
كتب لها ذات مرة: "لماذا الهامش؟".
ردت في المرة التالية: «لأن المتن للجميع، والهامش لنا.»
في المحاضرة الأخيرة، كتب بقلبٍ يرتجف:
«وماذا عن بعد التخرّج؟ هل يبتلعنا بياض الصفحة؟»
ترك الدفتر وغادر القاعة قبلها. في اليوم التالي، وجد الدفتر فوق مقعده المهجور. فتحه بلهفة. لم يجد جملة، بل وجد (رقم صفحة) مكتوباً في أقصى الزاوية. حين ذهب لتلك الصفحة، وجدها بيضاء تماماً، إلا من أثر ضغطة قلم جاف (بلا حبر)، رسمت دائرة صغيرة حول الهامش الفارغ.
افترقا. لم يجمعهما سياق، ولا حفل تخرج.
لكنه اليوم، كلما أمسك كتاباً، لا يقرأ ما في المنتصف. يذهب مباشرة إلى البياض الجانبي، يبحث عن "أثر غائب" لقصة رفضت أن تكون نصاً عادياً، واختارت أن تبقى سراً بين سطرين.
* لا تذهب بعيدا ، فلدينا دروسا لم تدرس بعد .
المؤلف
#نعمة_المهدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟