أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ليالي بغداد / 10 الاخيرة














المزيد.....

ليالي بغداد / 10 الاخيرة


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8598 - 2026 / 1 / 25 - 11:12
المحور: الادب والفن
    


نهار الصالحية.. ليل الحقيقة

​وصل سلمان إلى الصالحية. هنا، الشوارع أوسع من أن تُحاصر، والبنايات أطول من أن تُفتش. في الصالحية، لا تشم رائحة "النومي بصرة" أو الدخان المحترق، بل تشم رائحة الورق الصقيل، العطور الباردة، وهيبة المكاتب التي تقرر مصائر الناس بجرّة قلم.
​دخل سلمان إحدى العمارات الشاهقة. المصعد صامت، والمرايا فيه تعكس وجهه المتعب الذي لم يعد يشبه وجه الرجل الذي دخل "أبو سيفين" بالأمس. هناك، كان يبحث عن "أثر"، وهنا يبحث عن "قرار".
​توقف أمام مكتبٍ ببابٍ أبنوسيٍّ فخم. لا رنّة استكانات هنا، بل طنين خافت لأجهزة التكييف. دخل الغرفة، فاستقبله رجلٌ ببدلةٍ مكويةٍ بعناية، خلف مكتبٍ يلمع كأنه لم يُلمس قط. الرجل هو ذاته الذي وصفه الخمسيني: "يبيضّه الصباح".
​قال الرجل وهو يوقّع ورقةً ببرود:
– الصالحية مكان للأرقام يا سلمان، مو للذكريات.
رد سلمان وهو يضع يده على المكتب:
– وأخوي ما كان رقم. كان دم، والدم ما يتبيّض بالنهار.
​رفع الرجل رأسه. في عينيه كان يظهر "الليل" الذي يخفيه خلف بدقته الرسمية. هنا أدرك سلمان الحقيقة المرّة: قتلة أخيه ليسوا "شقاوات" يختبئون في الأزقة، بل هم "سادة" يمشون في الضوء، ويغسلون أيديهم في مغاسل الرخام قبل أن يصافحوا العالم.
​قال الرجل بهدوءٍ مرعب:
– أخوك حاول يفتح باب مغلق في الصالحية.. والبيوت هنا جدرانها من حديد.
– يعني هو هنا؟
– هو صار جزء من النظام.. جزء من الصمت اللي يخلّي المدينة تستمر.
​خرج سلمان إلى الشارع. كانت الشمس قد بدأت تغيب، وبدأت أضواء الصالحية الباردة تشتعل. نظر إلى العمارات العالية وأدرك أن "أبو سيفين" كانت أرحم؛ هناك الجرح واضح، أما هنا، فالجرح يُغلف بسلوفان رسمي ويُختم بكلمة "قيد التحقيق".
​وقف عند حافة الرصيف، تماماً حيث تنتهي الأرصفة الأنيقة وتبدأ خيالات الظل. تذكر جملة عامل المقهى: "اللي يحب هواي، يتأذّى هواي".
لم يبكِ. في الصالحية، حتى الدموع يجب أن تكون بإذنٍ رسمي.
​التفت خلفه للمرة الأخيرة، وقال بصوتٍ لم يسمعه أحد:
"بأبو سيفين تعلمت ليش الإنقاذ تأخر.. وفي الصالحية فهمت إن الإنقاذ أصلاً.. ما كان مسموح."
​ومضى سلمان في الزحام، ليس كباحثٍ عن ثأر، بل كشاهدٍ وحيد على مدينةٍ تلبس ربطة عنق في النهار، وتخنق أحلامها بدمٍ بارد حين يأتي المساء.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ليالي بغداد / 9
- ليالي بغداد / 7
- كراج العلاوي / 8
- ليالي بغداد / 6
- ليالي بغداد / 5
- ليالي بغداد / 4
- ليالي بغداد / 3
- ليالي بغداد / 2
- ليالي بغداد / 1
- العطش في أرض الماء
- عور العدالة
- مرافئُ الصَّمتِ الأخير
- قيامةُ الفقد.. ورثاءُ الروح
- أين عمري ؟
- الفصلية بوصفها نظامًا عشائريًا
- دِيةُ العَقل
- الزنزانة الاخيرة
- الحقيبة القماشية
- المعاملة رقم 412/ب
- شقاوات بغداد


المزيد.....




- لندن تعزف أجمل أنغامها: احتفال الجمعية الملكية للموسيقى 2026 ...
- على سرج غيمة
- قوافي الصمود: صالونات غزة الثقافية تنبعث من تحت الركام لمواج ...
- لماذا عاد شعراء غزة للكتابة عن الحرب والجوع؟ السر في الخيام ...
- تشديد الإجراءات الأمنية في حفل توزيع جوائز الأوسكار بعد مزاع ...
- 24 رمضان: 3 أساطير عربية رحلت وسلاح نفط غيّر العالم
- -شهود عيان من غزة- على مسرح لندني: حكايات الألم التي عبرت ال ...
- سرير من رماد
- اسمي حسن... أعاد الدراما العراقية إلى نصابه
- تلاوة القرآن في ماليزيا.. نهضة تعليمية تواجه إشكالية التقليد ...


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ليالي بغداد / 10 الاخيرة