نعمة المهدي
الحوار المتمدن-العدد: 8600 - 2026 / 1 / 27 - 18:48
المحور:
الادب والفن
اقتحمَ البلبلُ نافذتي عُنوةً؛ لم يدخل كزائرٍ، بل كمن يفرُّ من غواية السقوط. كان مكبّلَ الساقين بخيطٍ أبيض، يضربُ بجناحيه في فزعٍ صامت، كأنّ السماءَ ضاقت عليه بما رحبت.
مددتُ يدي بحذر. لم يكن حذري منه، بل عليه. فككتُ القيدَ الأبيض، وانتظرتُ أن يملأ الفراغَ بالتحليق، لكنه لم يطِر. بقيَ واجماً عند الحافّة، يحدّقُ في الحديقةِ بارتباك، كأنّ شيئاً ما هناك يشدُّه أكثر من إغراء المدى.
في تلك اللحظة، لم أشعر أنني أحرر طائراً فحسب، بل كنتُ أرممُ انكساراتي القديمة، وأفكُّ عقد الصمت التي حالت بيني وبين إنقاذ ما فات من عمري.
هبطَ البلبلُ أخيراً، لا عالياً، بل نحو أطراف الحديقة، متردداً يبحث عن أثره. تبعتُه بقلبٍ يسبقُ قدمي. وهناك، فوق غصنٍ واهنٍ، رأيتُ السرَّ: البلبل الثاني.. مقيّداً بذات الخيط، أعجزَ من أن يصرخ، وأوفى من أن يرحلَ وحيداً.
لم أحتج إلى تفسير. فككتُ القيدَ الأخير وكأنني أنتزعُ غصّةً من صدري. وما إن تحررا، حتى ارتفعا معاً، يدوران حولي في دوائرَ ممتنة، لا كمن يهرب، بل كمن يوثّقُ عهداً.
غابا أسبوعاً.. ظننتُ خلاله أن الحكايات الجميلة تنتهي دوماً عند لحظة الوداع. لكن ذات صباح، عادا يحملان في مناقيرهما أعوادَ قشٍ صغيرة. لم يختارا غابةً قصيّة، بل شرعا في بناء عشّهما بجانب شباكي تماماً.
عندها فقط فهمت: بعضُ الكائنات لا تبحثُ بعد النجاة عن سماءٍ واسعة، بل عن ركنٍ آمنٍ في رحابِ قلبٍ عرفَ الرحمةَ.. فصار وطناً.
#نعمة_المهدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟