أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - رائحة الصابون العادي














المزيد.....

رائحة الصابون العادي


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8600 - 2026 / 1 / 27 - 09:43
المحور: الادب والفن
    


​في الغرفة رقم 402، لم يكن للزمنِ وجود؛ كان هناك فقط إيقاعٌ منتظم لجهاز مراقبة القلب، ورائحةُ النعناع الباهتة التي تفوح من زوايا الشراشف. الحاج محمود، الذي قضى عمره يصححُ المتونَ ويستخرجُ شوائب اللغة، صار الآن جملةً مبتورة، بلا فعلٍ ولا فاعل.
​خارج النافذة، كانت ثمة ذبابةٌ تحاول الصعود على الزجاج البارد وتسقط، تعاود الكرة ثم تسقط مجدداً. كان محمود يراقبها بتركيزٍ غريب، كأن مصير العالم معلقٌ بجناحيها.
​دخل الأبناء. كان لكل منهم رائحة العالم الخارجي: رائحة السجائر، والجلود، والعطور الغالية. وقفوا حول السرير كأنهم غرباء في محطة قطار ينتظرون رحلةً لن تأتي.
"يا أبي.. أنا أحمد، هل تتذكر؟"
لم يتحرك محمود. كانت نظراته تمرُّ عبرهم، كأنهم مجرد ستائر شفافة لا تحجب الرؤية. ثم، وبحركةٍ بطيئة ونهائية، أدار وجهه نحو الجدار. كان صمتُه جارحاً؛ صمتاً يقول إن كل تاريخهم معه قد مُحي بممحاةٍ خشنة.
​في الممر، قال الطبيب بصوتٍ رتيب وهو يغلق الملف:
"المرضُ لا يأخذُ الأسماء فقط، إنه يأخذ الألفة. ابحثوا عمن كان يلمسُ يده في البيت دون خوف."
​تنحى الأبناءُ جانباً حين اقتربت امرأةٌ تلتحفُ عباءةً بسيطة. لم تكن تحمل عطوراً، بل كانت تفوح منها رائحةُ البصل المطهو وصابون الغسيل اليدوي. كانت هي التي تفتحُ الستائر كل صباح، وهي التي تقصُّ أظافره، وهي التي تعرفُ كم ملعقة سكر يطلبها في شايِه الذي لم يعد يشربه.
​دخلت فوزية. لم تنادِه باسمه، ولم تحاول استجداء ذاكرته. كل ما فعلته هو أنها اقتربت، وأخرجت من جيبها منديلاً مبللاً، وبدأت تمسحُ جبهته بحركةٍ رتيبة، آلية، ولطيفة جداً.
​فجأة، توقفت الذبابةُ عن الطنين.
التفت محمود. نظر إلى يديها المتشققتين من أثر العمل المنزلي. لم يتعرف على صلة قرابتها، بل تعرف على "اللمسة". كانت تلك اليدُ هي الخيط الوحيد المتبقي له في هذا العالم الضبابي.
​أمسك بمعصمها بقوة مباغتة، كغريقٍ وجد لوح خشب. غرس رأسه في كفها وانفجر بشهيقٍ طويل ومكتوم. لم يكن بكاءً عاطفياً، بل كان اعترافاً جسدياً بالانتماء.
​تراجع الأبناءُ خطوةً إلى الوراء. شعروا فجأةً ببردٍ مفاجئ رغم دفء الغرفة. نظر أحدهم إلى ساعته، ونظر الآخر إلى حذائه اللامع، بينما ساد صمتٌ ثقيل كشف أن هذه المرأة التي لا تحمل اسمه، هي الوحيدة التي تملك مفتاح قلبه الذي أضاعه الأبناء في زحام حياتهم.
​خارج المستشفى، كانت الحياةُ تمضي بصخبها المعتاد، بينما في الداخل، كانت يدٌ خشنة تمسحُ دمعة رجلٍ نسي كل شيء.. إلا الحنان.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ليالي بغداد / 10 الاخيرة
- ليالي بغداد / 9
- ليالي بغداد / 7
- كراج العلاوي / 8
- ليالي بغداد / 6
- ليالي بغداد / 5
- ليالي بغداد / 4
- ليالي بغداد / 3
- ليالي بغداد / 2
- ليالي بغداد / 1
- العطش في أرض الماء
- عور العدالة
- مرافئُ الصَّمتِ الأخير
- قيامةُ الفقد.. ورثاءُ الروح
- أين عمري ؟
- الفصلية بوصفها نظامًا عشائريًا
- دِيةُ العَقل
- الزنزانة الاخيرة
- الحقيبة القماشية
- المعاملة رقم 412/ب


المزيد.....




- تشديد الإجراءات الأمنية في حفل توزيع جوائز الأوسكار بعد مزاع ...
- 24 رمضان: 3 أساطير عربية رحلت وسلاح نفط غيّر العالم
- -شهود عيان من غزة- على مسرح لندني: حكايات الألم التي عبرت ال ...
- سرير من رماد
- اسمي حسن... أعاد الدراما العراقية إلى نصابه
- تلاوة القرآن في ماليزيا.. نهضة تعليمية تواجه إشكالية التقليد ...
- لندن تحتفي بيوم المرأة العالمي: أصوات من إيران وموزمبيق والد ...
- ثلاثة أفلام فلسطينية في القائمة المختصرة للأوسكار: هل انكسر ...
- الكويت تمنع إقامة المسرحيات والحفلات والأعراس خلال فترة عيد ...
- 3 أفلام في سباق الأوسكار.. هل تكسر فلسطين حصار هوليوود؟


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - رائحة الصابون العادي