أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ما لا يدرس في الجامعة / 1














المزيد.....

ما لا يدرس في الجامعة / 1


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8602 - 2026 / 1 / 29 - 14:03
المحور: الادب والفن
    


الدرجة التي تعلّمت الانتظار

​في الرواق الطويل لكلية الآداب، حيث الجدران بلونٍ باهتٍ قشّره الوقت، كانت هناك درجة واحدة "زائدة" عن حاجة العابرين. ليست بدايةً لسلم، ولا عتبةً لبابٍ مفتوح. كانت مجرد نتوءٍ رخامي بارد، خُلق ليكون هامشاً، أو لانتظارٍ يخشى أن يلفت الأنظار.

​كانت تجلس هناك في الوقت الذي تنفر فيه الحشود نحو البوابات الخارجية. تفتح دفترها، وتثبّت القلم بين أصابعها في وضعية التأهب، لكن السطور بقيت بكرًا. كان الدفتر درعها الواقي، وعذرها المقبول أمام العيون المتسائلة: "لماذا تجلس وحيدة هنا؟".

​مرّ بها أول مرة كظلال عابرة. في الثانية، لمح انحناءة ظهرها فوق الدفتر. في الثالثة، تسمّر مكانه، وكأنه اكتشف فجأة فجوة في جدار الزمن.

قال بصوتٍ خفيض، وكأنه يخشى خدش الصمت:

— هل يطاوعكِ القلم في هذا الضجيج؟

​رفعت رأسها ببطء، لم تبتسم فوراً، بل تركت نظرتها تتأمل وجهه الغريب قبل أن تقول:

— القلم لا يفعل شيئاً.. أنا فقط أمنح الورق فرصة ليتنفس.

​جلس على الرخامة المقابلة، ترك مسافة كافية ليحترم عزلتها، ولم يسأل عن اسمها. كان الحديث بينهما يتقطع، يتخلله صيدُ كلماتٍ عابرة عن محاضراتٍ جافة، وعن دكاترة يبيعون الوهم في قاعاتٍ مغلقة. كان يصغي لنبرة صوتها أكثر من المعنى، وهي كانت تشعر بأن ثقل الرخامة تحتها بدأ يتلاشى.

​قالت وهي تلمس خشونة الحجر بيدها:

— الكل هنا يتسابق ليصل إلى مكان ما.. إلا هذه الدرجة، كأنها الوحيدة التي تعرف كيف تتوقف.

ردّ بهدوء:

— ربما لأنها لا تؤدي إلى أي امتحان.

​ضحكت بخفّة، ضحكة قصيرة لم تتجاوز حدود الرواق، لكنها كانت كافية لتجعل المكان أقل وحشة. مرّ الطلبة كأمواجٍ صاخبة، ولم يلحظ أحدٌ أن هناك قصيدةً صامتة تُكتب في الزاوية المهملة.

​نهضت فجأة حين أعلنت ساعة الحائط رحيل آخر شعاع شمس من النافذة العالية.

— يجب أن أمضي.

سألها، والتردد يكسو صوته:

— هل ستمنحين الورق فرصة أخرى غداً؟

​نظرت إلى الدرجة، ثم إليه، ومضت دون رد.

​في اليوم التالي، جاء قبل الموعد. جلس على "درجتها"، شعر ببرودة الرخام التي امتصت حرارة جسدها بالأمس. طال الوقت، وبدأ الرواق يخلو من الوجوه. وحين همّ بالنهوض، يائساً من عودتها، لاحظ شيئاً في الشق الصغير بين الرخام والحائط.

​لم تكن كلمة مكتوبة، بل كانت "ممحاة صغيرة" موضوعة بعناية، وعليها أثرُ رصاصٍ خفيف رسم علامة استفهام (؟).

​تحسس الممحاة بأصابعه، ولم يغادر. وضعها في جيبه، وخفّف خطاه وهو يبتعد، مدركاً أن بعض اللقاءات لا تحتاج إلى سياق، وأن الحكايات الأجمل هي تلك التي تبقى معلقة بين "ربما" و"ليت"، فوق درجةٍ منسية لا تؤدي إلى باب.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ميثاق
- رائحة الصابون العادي
- ليالي بغداد / 10 الاخيرة
- ليالي بغداد / 9
- ليالي بغداد / 7
- كراج العلاوي / 8
- ليالي بغداد / 6
- ليالي بغداد / 5
- ليالي بغداد / 4
- ليالي بغداد / 3
- ليالي بغداد / 2
- ليالي بغداد / 1
- العطش في أرض الماء
- عور العدالة
- مرافئُ الصَّمتِ الأخير
- قيامةُ الفقد.. ورثاءُ الروح
- أين عمري ؟
- الفصلية بوصفها نظامًا عشائريًا
- دِيةُ العَقل
- الزنزانة الاخيرة


المزيد.....




- -موريكس دور 2026-.. بيروت تحتفي بنجوم الفن العربي في ليلة حا ...
- -وفاة مشبوهة-.. العثور على الممثل التركي سرحات كليتش ميتا في ...
- نقل الفنان بهاء سلطان إلى المستشفى إثر انقلاب سيارته
- أسعار تذاكر حفل أصالة نصري تحلق في دمشق.. و-VVIP- خارج الحجز ...
- -رمسيس الثاني هو فرعون موسى-.. وزير آثار مصر الأسبق يتحدث عن ...
- باسم ياخور -تحت الضغط-.. سامر المصري لم يتخطه وباسل خياط -ور ...
- -العمر رقم-.. هذا ما تمنته الفنانة منة فضالي في عيد ميلادها ...
- رواية التوابيت لا تكفي
- -RT- تعرض النسخة الروسية من فيلم -أرض اللبان- في قازان
- “الزراعة” تنظم برنامجاً مكثفاً بسوهاج لنشر ثقافة “الزراعة ال ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ما لا يدرس في الجامعة / 1