أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - حسن صالح الشنكالي - الإيمان كمسار داخلي: دراسة في وحدة التجربة الروحية بين الحلاج والرومي والشيخ عدي وأوشو














المزيد.....

الإيمان كمسار داخلي: دراسة في وحدة التجربة الروحية بين الحلاج والرومي والشيخ عدي وأوشو


حسن صالح الشنكالي
كاتب وباحث تربوي واجتماعي

(Hassan Saleh Murad)


الحوار المتمدن-العدد: 8542 - 2025 / 11 / 30 - 23:54
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


المدخل
تسعى هذه الدراسة إلى تحليل مفهوم الإيمان بوصفه مساراً داخلياً ينشأ من التجربة الذاتية، لا من الإكراه الخارجي، وذلك عبر قراءة مقارنة لخطاب أربعة رموز روحية وفلسفية: الحلاج، والرومي، والشيخ عدي، وأوشو. وتناقش الدراسة وحدة التجربة الصوفية رغم اختلاف الأديان واللغات، كما تربط هذا الفهم بالتجربة الإيزيدية وصمودها التاريخي أمام حملات الإبادة، باعتبار أن الإيمان الداخلي شكّل جوهر مقاومتها السلمية. وتخلص الدراسة إلى أن الإيمان — حين يكون قائمًا على الصفاء الداخلي — يتحول إلى قوة تُنتج السلام لا الصراع.

مقدمة
بدأتُ مسيرتي في هذا البحث من الحلاج، ذاك الذي ذاب في المعنى حتى قال: «أنا الحق»؛ لا ادّعاءً ولا تجاوزًا، بل إعلاناً أن الطريق إلى الله يبدأ من الإنسان نفسه. ومن هذا السؤال انطلقت الفكرة: كيف تتقاطع التجارب الروحية رغم تباعد البيئات الدينية؟ وكيف يلتقي السالك الشرقي بالغربي في نقطة واحدة هي أنّ الله أقرب إلى الإنسان من كل طريق خارجي؟
هذه الأسئلة فتحت الباب أمام دراسة معرفية تُظهر أن التجربة الروحية ليست نتاج دين واحد، بل هي حركة داخلية مشتركة تتكرّر في الثقافات كافة.

الحلاج: مركزية التجربة وحرية الطريق
يُعدّ الحلاج من أوائل من قدّموا الإيمان بصورة استقلالية، حين قال:
«ديني لنفسي ودين الناس للناس»
وهو قول يجسّد رؤية تقوم على أن الإيمان علاقة شخصية لا تُفرض، وأن الصدق الداخلي أهم من الطقوس الظاهرة.
لم تكن محنة الحلاج مجرد حدث تاريخي، بل كانت نتيجة صراع بين سلطة تخاف من نور الداخل، وروحٍ ترى الحقيقة مساراً شخصياً لا يقبل الوصاية. وبقيت أفكاره حيّة لأنها اتصلت بما هو أعمق من الظاهر: التجربة الباطنية.

أوشو: تكامل الأديان وانفعال الهدايا
تتكرر هذه الرؤية في الفلسفات الحديثة، ولا سيما لدى أوشو الذي يؤكد أن الأديان ليست جزراً منفصلة، بل “مسارات مكمّلة لبعضها بعضًا”.
ويرى أن التقاء الثقافات يولّد ما يسميه «انفعال الهدايا»، أي التحوّل الذي يحدث عندما يخرج الإنسان من بيئته، فيتغير كي يستوعب المجهول دون أن يتخلى عن جذوره.
الشرقي حين يذهب إلى الغرب، والغربي حين يأتي إلى الشرق—كما يرى أوشو—يحتاجان إلى التكيّف، وإلى حمل “وراثة التعاليم” بطريقة منفتحة على الواقع الجديد. وهذه الرؤية تجعل التعايش جزءً من التجربة الروحية ذاتها، لا مجرد خيار اجتماعي.

الشيخ عدي: الطريق الواحد والسرّ الإشراقي
يتقاطع فكر أوشو مع ما ورد عن الشيخ عدي في التراث الإيزيدي، الذي يرى أن طريق الله واحد، وإن تنوّعت مظاهره. ويقول:(نزان د بێژن ڕێ دونا ) أي إن الجاهلين يظنون أن الطريق إلى الله اثنان )، بينما الطريق واحد.
وفي نصه الإشراقي الشهير:
«شربتُ من كأس الربيع المهفهف
وجاد لنا الساقي من غير تكلّف
ولما دبّى دبيبها إلى موضع الأسرار
قلنا للسر قِفي…»
يتضح أن المعرفة الإلهية عنده ليست خطاباً جدلياً، بل تجربة نورانية لا تُعطى إلا لمن تهيّأت نفسه. وهنا يظهر الترابط بين الإيزيدية والتصوف في فهمهما للإيمان كصفاء داخلي لا كإكراه طقوسي.

الإيزيديون: صمود روحي أمام 74 حملة إبادة
تُعد التجربة الإيزيدية من أبلغ النماذج على أن الإيمان الداخلي قادر على حفظ الهوية عبر القرون.
فعلى الرغم من أربع وسبعين فرماناً من القتل، والسبي، والتهجير، ونهب الممتلكات على مدى أكثر من الخمسمئة عام الأخيرة، بقيّ الإيزيديون متمسكين بدينهم، راسخين في سلامهم الداخلي.
لم يعتدِ الإيزيدي على دين أحد، ولم يسعَ إلى فرض معتقده، بل حافظ على التعايش السلمي رغم كل ما تعرّض له. وحسب البيت البيت الذي نشده الشيخ عدي أعلاه، فأن الإيزيدية لا تحتاج إلى رسول جديد، لأنهم «شربوا قبل الخلائق من كأس الوحدانية وكأس القدرة»قبل ان توجد خلقتهم، أي إنهم يحملون إيماناً داخلياً لا يحتاج إلى وساطة.
وهذا الصمود يثبت أن الإيمان، حين يكون عميق الجذور، يتحول إلى مقاومة سلمية تحفظ الهوية .

وحين نتحدث عن مأساة الايزيدية التي جرت على ايدي الجماعات المتطرفة التي تتخذ من الإسلام ديناً لكن علينا ان نتذكر ان المعيار الأخلاقي: للمسلم يرد في الحديث الشريف: «المسلم من سلم الناس من يده ولسانه»
وهذا المعيار الأخلاقي يتجاوز الانتماء الديني ليشمل كل إنسان مسالم. ومن هذا المنطلق يعتبر المفهوم الإسلام كل من لا ياذي الناس بيده ولسانه فهو مسلم مهما كان دينه، لكن ممارسات الجماعات المتطرفة — وعلى رأسها داعش — خالفت هذا المبدأ كليةً، عبر القتل والسبي والتكفير. وهذا يتناقض مع جميع القيم التي تقوم عليها الأديان الإبراهيمية والشرقية والروحانية.
فمن يسلم الناس من يده ولسانه هو صاحب الإيمان الحقيقي، أما من يعتدي على الأبرياء فلا ينتمي إلى أي قيمة إلهية مهما ادّعى.

الرومي: القبلة في الداخل
ومن قلب هذه المسيرة الروحية، ياتي جلال الدين الرومي ليعيد توجيه البوصلة نحو الداخل، فيقول:
«أيها الذاهبون للحج… أين أنتم؟ ارجعوا، فالحبيب هنا. إن الحبيب والقبلة هو أنت.»
الرومي لا ينتقص من الشعائر، بل يعيدها إلى وظيفتها الأساسية: أن تكون جسوراً إلى الداخل لا بدائل عنه. فالحقيقة ليست في الطريق، بل في القلب الذي يعي الطريق.

الخاتمة
وعندما نضع الحلاج، والرومي، والشيخ عدي، وأوشو في سياق واحد، نكتشف أن اختلاف الدين واللغة والزمن لم يحجب وحدة التجربة. فجميعهم يشيرون إلى الفكرة ذاتها:
أن الإيمان يبدأ من الداخل، وأن طريق الله واحد، وأن السلام هو اللغة التي يتعرّف بها البشر بعضهم إلى بعض.
وتكشف التجربة الإيزيدية أن الإيمان — حين يكون مبنياً على الصفاء الداخلي — يصبح قوة روحية قادرة على مواجهة العنف دون أن تتحول إلى عنف، وعلى الحفاظ على الهوية دون كراهية



##حسن_صالح_الشنكالي (هاشتاغ)       Hassan_Saleh_Murad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراق بين الصراع الأقليمي وصراعات الداخل
- لماذا لا يحدث التغيير في مدارسنا؟
- حرب الطقس… من القنبلة الذرية إلى التحكم بالمناخ كاداة نفوذ
- جلوس قادة الكُرد في دهوك: هل نحن مقبلون على خارطة جديدة؟
- عراق ما بعد الانتخابات: نتائج بلا أغلبية… ومشهد بلا بوصلة
- غياب المشروع الوطني… العراق بين وهم الوحدة وحقيقة الانقسام
- زهران عمدة نيويورك الجديد خليط متجانس
- هل رجل الدين لازال صمام أمان للمجتمع؟ وكيف تكون نظرته إلى ال ...
- الصدر مجددًا يعلن المقاطعة بين وهم المقاطعة وضرورة المعارضة
- الإيزيديون بين الدستور وواقع الإقصاء الانتخابي
- الانتخابات العراقيّة بين الشكوك والتوافق الإجباريّ
- تحولات الشرق الأوسط بين سقوط الأيديولوجيا وصعود الفرد
- بين الرموز والعبادة: قراءة في الإنسانية والدين في التراث الع ...
- العراق بين صناديق الاقتراع ومأزق الطائفية
- الدرس التاسع : كيف نفهم الدرس بسهولة
- الدرس العاشر: مستقبل التعليم في ظل الذكاء الاصطناعي
- التعليم والاقتصاد… هدر الطاقات في وطنٍ حائر
- دروس في التربية / الدرس الثاني
- دورس في التربية / الدرس الثالث
- دروس في التربية / الدرس الرابع


المزيد.....




- فيديو متداول لـ-انفجار بركان هايلي غوبي في إثيوبيا-.. ما صحت ...
- كولومبيا ترفض خطوة ترامب بإغلاق المجال الجوي الفنزويلي
- التوتر في الكاريبي.. ماذا بعد إغلاق مجال فنزويلا الجوي؟
- مستوطنون يقتحمون الأقصى وقوات الاحتلال تواصل هدم منازل بالضف ...
- قوات الاحتلال تعلن قتل 40 مقاوما في رفح خلال أيام
- تأسيس رابطة الجالية العراقية وتكريم الكفاءات في بودابست
- الإدمان العائلي على الشاشات.. هروب جماعي إلى الضوء الأزرق
- جنرال إسرائيلي: لتل أبيب هدفان رئيسيان في سوريا
- لماذا يشتد القتال على جبهة مدينة بابنوسة السودانية؟
- أبرز محطات محاكمات الفساد ضد نتنياهو


المزيد.....

- كتاب دراسات في التاريخ الاجتماعي للسودان القديم / تاج السر عثمان
- كتّب العقائد فى العصر الأموى / رحيم فرحان صدام
- السيرة النبوية لابن كثير (دراسة نقدية) / رحيم فرحان صدام
- كتاب تاريخ النوبة الاقتصادي - الاجتماعي / تاج السر عثمان
- كتاب الواجبات عند الرواقي شيشرون / زهير الخويلدي
- كتاب لمحات من تاريخ مملكة الفونج الاجتماعي / تاج السر عثمان
- كتاب تاريخ سلطنة دارفور الاجتماعي / تاج السر عثمان
- برنارد شو بين الدعاية الإسلامية والحقائق التاريخية / رحيم فرحان صدام
- الانسان في فجر الحضارة / مالك ابوعليا
- مسألة أصل ثقافات العصر الحجري في شمال القسم الأوروبي من الات ... / مالك ابوعليا


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - حسن صالح الشنكالي - الإيمان كمسار داخلي: دراسة في وحدة التجربة الروحية بين الحلاج والرومي والشيخ عدي وأوشو