عادل الدول
كاتب
(Adil Al Dool)
الحوار المتمدن-العدد: 8541 - 2025 / 11 / 29 - 18:01
المحور:
قضايا ثقافية
الحظ بين الوعي الجبري وقلق الإنسان الحديث
منذ أن بدأ الإنسان يطرح أسئلته الأولى عن المصير، تمسّك بفكرة “الحظ” كتعليل جاهز لكل ما يعجز عن تفسيره. وما بين الشرق والغرب، لم يكن الحظ يومًا مجرد كلمة عابرة، بل مفهوم ثقافي عميق تشكّل عبر القرون بوصفه إحدى الأدوات النفسية لفهم الفوضى التي تحكم الوجود.
في ثقافتنا العربية، نشأ الحظ في حضن العقلية القدرية التي تربّت على مفاهيم القضاء والقدر، وعلى الإيمان بأن الكون يسير وفق مشيئة عليا. ومع أن هذه الرؤية الروحية منحت الإنسان عزاءً في مواجهة العجز، إلا أنها، بمرور الوقت، انزلقت في الوعي الشعبي إلى جبرية صامتة اختزلت معادلة الحياة إلى نتائج تُمنح وتُسلب دون منطق ظاهر.
صار “النصيب” تفسيرًا جاهزًا، و“القسمة” عنوانًا للرضا القسري، و“الحظ” كلمة تغطي الفجوات التي لا يملؤها الفهم ولا الجهد.
أما في الثقافة الغربية، فالحظ – رغم ابتعاده عن الدلالات الدينية – بقي عنصرًا غامضًا في معادلة الإنجاز. كلما عجزت العقلانية الصارمة عن تفسير انحراف النتائج عن قوانينها، عاد الإنسان الحديث ليلتجئ إلى احتمالٍ غير مرئي يسمّيه “تشانس” أو “لاك”، في محاولة لإضفاء معنى على ما يفلت من قبضة العقل.
واللافت أن الثقافتين، رغم اختلاف منابتهما، تلتقيان في نقطة واحدة:
الإنسان يحتاج دائمًا إلى سردية تفسّر ما لا يُفسَّر.
في عالم تُدار حركته بواسطة ملايين التفاصيل الدقيقة، يصعب على العقل الإنساني أن يتقبل أن الفشل قد يكون نتيجة لحظة واحدة غير محسوبة، وأن النجاح قد يكون ثمرة صدفة صغيرة، لا بطولة خارقة.
وهنا يتشكّل الحظ بوصفه “حلًّا نفسيًا” للصدمة، و“جسرًا ثقافيًا” يعبر عليه الإنسان حين تفشل جميع المعادلات في تفسير ما يجري له أو لغيره.
لكن إشكاليتنا لا تتوقف عند حدود الثقافة، بل تتعمق حين تتداخل الجبرية القدرية مع مفهوم الحظ.
فالخلط بينهما أنتج وعيًا مشوّشًا:
وعيًا يرى أن كل ما يحدث مكتوب مسبقًا، لكنه في الوقت نفسه يعلّق النتائج على شماعة الحظ.
وعيًا يريد امتلاك الحياة، لكنه يسلّم مفاتيحها لقوة غامضة.
وعيًا يعمل ويجتهد، لكنه يحمّل الكون مسؤولية ما لا يحصل عليه.
هذه المنطقة الرمادية هي التي صنعت مفارقات عديدة في نظرتنا للنجاح والفشل، ودفعتنا إلى التردد بين منطقين متناقضين:
منطق الاستحقاق، ومنطق العشوائية.
وفي ظل هذا الارتباك، تسلّل الحظ إلى لغتنا اليومية، وإلى تحليلنا للأحداث، وإلى تقييمنا للناس، بل وإلى نظرتنا لأنفسنا.
صار الحظ مرّة قناعًا للخيبة، ومرّة تبريرًا للإنجاز غير المتوقع، ومرّة ساحة يتصارع فيها القدر مع العقل.
ولأن الحظ يقع في الوسط بين ما نعرفه وما نجهله، وبين ما نتحكم به وما يفلت من أيدينا، بقي دائمًا موضوعًا مُلتبسًا، لا يملك تعريفًا نهائيًا ولا حضورًا ثابتًا.
إنه ظاهرة إنسانية بامتياز: نتوجّس منها ونستعين بها، نخافها ونلجأ إليها، نلعنها وننتظرها.
من منطقة الانحراف الغامض في معادلة الحياة، حيث لا تنفع قوانين الجهد وحدها، ولا تُقنعنا فكرة “المكتوب” تمامًا.
من النقطة التي تتقاطع فيها الصدفة مع الإرادة، ويقف فيها الإنسان أمام سؤالٍ ثقيل:
لماذا يحدث ما يحدث… ولمن؟
هذه المقدمة ليست تفسيرًا للحظ، بل دعوة لإعادة التفكير فيه قبل الدخول في نصّ يبحث بجرأة في سرّ تلك اللحظات التي تتحالف فيها الصدف ضدّنا، وتلك التي تنحاز دون سبب لمن لا يتوقعها.
ماهو الحظ ..اذن؟
الحظ ليس مجرد كلمة نلقيها كلما أفلتت منا فرصة أو حصل غيرنا على ما لم يتوقعه. إنه في جوهره اسم شعبي لظواهر خفية تتشابك فيها الفيزياء مع علم النفس، والصدفة مع الاستعداد، والفوضى مع النظام. كلٌّ يراه من منظوره: الناجي من كارثة يسميه رحمة، والخاسر لفرصة يسميه قدرًا، ومن وجد طريقه ممهدًا يسميه نصيبًا.
لكن خلف هذا القاموس الشعبي، ثمة مفارقة صامتة: أناس يبذلون قصارى جهدهم فتزداد دروبهم وعورة، وآخرون بالكاد يتحركون فينهال عليهم الرزق كأن الكون يفتح لهم أبوابه واحدًا تلو الآخر.
كيف تُبنى هذه المفارقة؟ ولماذا يبدو بعضهم وكأنهم يمسكون بخيوط لعبة لا يراها أحد سواهم؟
حين تتحالف الصدف ضدك
ثمة أشخاص يشعرون في مراحل معينة أن الكون قرر التحالف ضدهم. ليست مشكلة واحدة، بل سلسلة متتابعة من الأحداث غير المرغوبة: موعد يفشل، طلب يُرفض، محاولة تسقط، ظرف عائلي يشتعل في اللحظة الحاسمة، حدث عابر يتحول إلى أزمة، ثم تتكدس جميعها في زاوية واحدة.
يولّد هذا التراكم سؤالًا فلسفيًا عميقًا: لماذا الآن؟ ولماذا أنا؟
والمؤلم أن هذه الصدف لا تقدم تفسيرًا، بل تغلق الأبواب بصمت، وكأن الحياة تتدرب على قسوة لا يفهمها أصحابها.
المفارقة: حين يربح الأقل استعدادًا
في المقابل، ثمة من يحصلون على فرص لا تتناسب مع إمكانياتهم. لم يدرسوا أكثر، لم يطوروا مهاراتهم، لم يخوضوا معارك شرسة، ومع ذلك يحدث شيء يقلب حياتهم: مكالمة عابرة تغير مصيرهم المهني، مال يأتي من مشروع لم يخططوا له، دعم غير متوقع من شخص مؤثر، أو فرصة تُفتح لهم لأنهم كانوا في المكان المناسب في التوقيت الصحيح.
يبدو هؤلاء وكأنهم يخترقون قوانين الجهد والاستحقاق: قليل من العمل، كثير من المكاسب، وهامش صدف يعمل لصالحهم دون تدخل منهم.
فهل تكافئ الحياة العابرين وتعاقب المجتهدين؟
ثغرة العدالة: حين يصبح الحظ اللاعب الأساسي
يتساءل المرء: إذا كانت الحياة تعتمد على الجهد، فلماذا لا يقود دائمًا إلى النتائج المرجوة؟
الإجابة معقدة لكنها قابلة للفهم: الحياة ليست خطًا مستقيمًا تُرسم نتائجه بمعادلة واحدة، بل شبكة احتمالات لا معادلة حتميات.
يعيش كثيرون تحت سطوة لاعب خفي اسمه الحظ، لأنه المتغير الذي لا يمكن ضبطه، والذي يقرر مصير الخطوات الأخيرة حين يتوقف العقل عن التأثير.
قراءة علمية للحظ
نظرية الكم: حين يصبح العالم عشوائيًا
في عالم الفيزياء الكمومية، يمكن للجسيم أن يكون في موضعين في آن واحد، ولا تتحدد نتائج التجارب إلا عند الملاحظة، والسلوك لا يستند إلى قواعد ثابتة بل إلى احتمالات.
يفتح هذا بابًا لفهم جديد: ربما تعمل الأحداث في حياتنا وفق احتمالات وليس استحقاقات. ربما ليس الجهد وحده ما يحدد النتائج، بل نقطة التقاء لسلسلة أحداث صغيرة لم نلحظها. ربما الحظ نسخة حياتية من الاضطراب الكمّي، حيث تغيّر حركة بسيطة نتيجة كبيرة.
أثر الفراشة: حين تتغير النتائج بسبب ما لا نراه
في علم الفوضى، قد تتسبب حركة جناح فراشة بتغييرات جذرية عبر سلسلة تفاعلات متصلة. بهذا المعنى، قد يكون حظك مرتبطًا بكلمة قيلت قبل سنوات، أو صدفة حدثت في طفولتك، أو حادث صغير غيّر مسار يومك وبالتالي مسار حياتك.
الحظ إذن ليس مجرد لعبة، بل تفاعل معقد بين ملايين الأحداث الصغيرة.
منظور نفسي: الحظ والاستعداد اللاواعي
يمتلك بعض الناس استعدادًا لاواعيًا لاستقبال الفرص. لا يجذبون الحظ، لكنهم ينتبهون إليه أكثر. بينما يغلق آخرون أبوابًا دون وعي لأنهم يعيشون تحت ضغط مزمن: الخوف يحجب الفرص، والقلق يقلل الدقة، واليأس يضع الدماغ في وضع النجاة لا الإبداع.
قد يصل شخصان للمكان نفسه، لكن أحدهما يرى بابًا والآخر يرى جدارًا.
الجانب المظلم: حين لا تنصف الحياة المجتهدين
ثمة من يبذلون أقصى طاقاتهم: يعملون، يدرسون، يخططون، ومع ذلك تهب الرياح دائمًا من الاتجاه المعاكس. يعيشون إحساسًا ثقيلًا بالظلم لأن المنطق يقول إنهم أهل للفرصة، لكن الحظ يقول شيئًا آخر.
يواجه هؤلاء معضلة فلسفية لا حل لها: لا يمكنهم فهم ما يجري، ولا يمكنهم التوقف عن المحاولة.
هل الحياة عادلة؟
الحياة ليست عادلة كقاضٍ، وليست ظالمة كجلاد. إنها نظام احتمالات، لعبة معقدة لا يرى اللاعبون كل قوانينها. من يفوز اليوم قد يخسر غدًا، ومن يخسر اليوم قد يصنع من رماد ألمه أجمل القصص.
ما نسميه حظًا قد يكون توقيتًا، أو صدفة صغيرة، أو سلسلة أحداث تكبر دون أن نشعر بها.
كيف تتعامل مع الحظ؟
بدلًا من محاولة السيطرة على الحظ، يمكنك السيطرة على شيء آخر: طريقة وجودك في العالم.
وسّع مساحات الحركة: كلما زادت تجاربك، زادت احتمالات لقائك بالصدفة الحاسمة.
حرّك نقاطك الصغيرة: غيّر عاداتك، طريقك، بيئتك. الحظ أحيانًا لقاء يحدث لأنك غيرت مسارك بخطوتين.
اجعل وعيك منفتحًا: الفرص لا تختفي، لكن البعض لا يراها.
حافظ على جهدك: قد لا يظهر أثره اليوم، لكنه يغير قوانين اللعبة على المدى البعيد.
إذن الحظ ليس خصمك ولا حليفك، إنه تفاعل خفي بينك وبين العالم، بين ما تراه وما لا تراه، بين قرار صغير وموجة كبيرة. من يفوزون بالحظ ليسوا دائمًا الأفضل، ومن يُهزمون أمامه ليسوا الأسوأ.
الحظ لا يفاضل ولا ينتقي، إنه يعمل في مساحة احتمالات لا استحقاقات.
وأنت تعيش وسط شبكة معقدة من القوى الخفية، لكن حضورك وقراراتك الصغيرة ووعيك قادرة على جعل هذه الشبكة تميل إليك يومًا ما، بهدوء وبشكل يبدو للعالم من حولك أنه مجرد... حظ.
#عادل_الدول (هاشتاغ)
Adil_Al_Dool#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟