أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عادل الدول - الألم... ميلادٌ لا ينتهي














المزيد.....

الألم... ميلادٌ لا ينتهي


عادل الدول
كاتب

(Adil Al Dool)


الحوار المتمدن-العدد: 8534 - 2025 / 11 / 22 - 03:43
المحور: الادب والفن
    


ماذا لو كان الألمُ — في جوهره الأعمق — ليس جُرحًا ينزف، ولا عقوبةً تُنزَلُ من سماءٍ غاضبة؟

ماذا لو كان صرخةَ الميلادِ الأولى، تشقُّ طريقها المُضني عبر طبقاتِ الصمتِ المتراكمة كرسوبياتِ العُمر؟

هكذا تفعلُ البذورُ الآن — في هذه اللحظةِ بالذات — وهي تدفعُ بأجسادها الواهنةِ الصغيرة ضدَّ صلابةِ الترابِ وعنادِه الأزلي. تُقاتلُ في عتمةٍ لا شاهدَ عليها، لا تعرفُ إن كانت ستصلُ، لكنها تُصرُّ على المُضيّ.

مدَّ يدَه أكثر، غاصت أصابعُه في رَحِمِ الأرض. وهناك، في تلك العتمةِ الدافئة، شعرَ بنبضٍ يتكرر... إيقاعٌ خفيٌّ كدقّاتِ قلبٍ لم يُولَد بعد.

بعضُ البذورِ كانت أشدَّ عزيمة، تضربُ بجذورها كمَن يطرقُ بابًا موصدًا. وبعضُها أوهنُ، تتلمَّسُ طريقَها كأصابعِ ضريرٍ في غرفةٍ مجهولة. لكنَّ الكلَّ — الكلَّ دون استثناء — يضغط، يندفع، يتمرَّدُ على القرار، يُصرُّ على أن يُولَد.

وتسلَّلَ إليه السؤال:

أليس هذا ما نشعرُ به حين يتملَّكُنا الألم؟

ذلك الضغطُ الخفيُّ في الأعماق، النابضُ في مكانٍ لا تصلُه اليد، الذي لا نعرفُ من أين جاء ولا أين ينتهي... لكنه يحاولُ — بإصرارٍ أعمى — أن يفتحَ فجوةً في جدارِ عتمتنا، أن يشقَّ كوَّةً نحو نورٍ لا نراه بعد.

"الألمُ ليس عدوًّا" — همسَ لنفسه، وكأنه يكتشفُ سرًّا ظلَّ محجوبًا طوال العُمر.

هو اليدُ غيرُ المرئيةِ التي تدفعُنا — رغمًا عنّا — نحو الخارج. هو الولادةُ التي لا تتوقف، التي تستمرُّ حتى بعد أن نُولَد، وبعد أن نكبُر، وبعد أن نظنَّ أننا اكتملنا.

نظرَ حوله.

العشبُ القصيرُ يرتجفُ مع أنفاسِ النسيم، كجموعٍ صغيرةٍ ترقصُ في احتفالٍ لا موسيقى فيه إلا الصمت. ملايينُ الراقصين الخُضر، يتمايلون في طقسٍ لا يفهمُه إلا مَن مرَّ بما مرّوا به.

وأدركَ — بوضوحٍ مُباغت — أن كلَّ ورقةٍ خضراءَ هنا قد ذاقت طعمَ الألمِ ذاته. غير أنها لم تُخلِّف أثرَها في صراخٍ يتبدَّد، بل في شكلِها الجديد... في خُضرتِها التي تتحدَّى، في انحنائِها الرشيقِ نحو الضوء.

وبينما كان يتأمَّلُ تلك الأوراقَ الصغيرةَ وهي تتراقص، سرى في أعماقه شيءٌ يُشبهُ الاعتذار. اعتذارٌ مُرٌّ وحُلوٌ في آن. كأنه لم يفهم جسدَه بما يكفي طوال تلك السنين. لم يمنحْه الوقتَ الذي يحتاجُه ليُتمَّ نموَّه البطيء، ولا الإصغاءَ ليقولَ ما عجزت الكلماتُ عن حمله.

أغمضَ عينيه.

وفي تلك العتمةِ الداخلية، رأى بذورًا كثيرةً تُكابدُ في أماكنَ لا تصلُها شمس: ذكرياتٌ صغيرةٌ مدفونةٌ تحت ترابِ النسيان الكثيف، وجروحٌ قديمةٌ لم تُمنَح قطُّ فرصةً لتتنفَّس، وأحلامٌ انطفأت قبل أن تُتمَّ جملتَها الأولى.

كلُّها كانت تضغط، تدفع، تطرقُ الجدارَ الداخليَّ بأصابعَ من صمت. ومع ذلك — رغم كلِّ شيء — لم يتوقَّف شيءٌ منها عن محاولةِ الخروج. لم يستسلم شيءٌ منها للعتمة.

فتحَ عينيه.

شعرَ أن الريحَ تغيَّرت. صارت أبطأ، أكثرَ تردُّدًا، كأنها تتوقَّفُ لتُصغي قبل أن تعبُرَ بين الأشجار. وكأنها تُدركُ — بحدسِها القديمِ قِدَمَ الكون — أن شيئًا ما يتخلَّق، لا في الحقلِ المترامي أمامه، بل في أرضه هو... في ترابه الداخلي.

مدَّ أصابعَه فوق التراب، ثم رفعها ببطء. رأى حُبيباتٍ دقيقةً تتشبَّثُ بأطرافِ جلده، تأبى الانفصال. وبدا ذلك التشبُّثُ كاعترافٍ صامت، كحقيقةٍ لم يجرؤ أحدٌ على النطقِ بها:

أن الجسدَ — هو الآخر — تُربة.

وأن كلَّ ما يستقرُّ فيه — من ذكرى عابرةٍ إلى خوفٍ متجذِّر إلى حُلمٍ طريّ — يحتاجُ وقتًا ورِفقًا وصبرًا ليشقَّ طريقَه نحو النور.

ولأولِ مرة، شعرَ بيقينٍ هادئ:

الألمُ ليس ثِقلًا يُجثمُ على الصدر، بل دافعٌ يدفعُ من الأعماق. ليس خصمًا في حلبةِ مصارعة، بل قوةٌ خفيَّةٌ تجذبُه — بحنانٍ خشن — نحو ميلادِه التالي.

ميلادٌ لا يحتاجُ إلى أضواءٍ كاشفة، ولا إلى شهودٍ يُصفِّقون. يكفيه أن يكون. يكفيه أن يزحفَ في صمت، أن يتمدَّدَ في الظلِّ كجذرٍ صبور، أن يلمعَ للحظةٍ خاطفةٍ قبل أن يعودَ إلى رَحِمِ الداخلِ من جديد... ليُولَدَ مرةً أخرى.

ثم حدثَ شيءٌ غريب.

بسيطٌ، عاديٌّ ربما لعينٍ لا ترى. لكنه نفذَ إليه كخيطِ ضوءٍ يتسلَّلُ إلى غرفةٍ أُوصدَت أبوابُها منذ زمن:

عصفورٌ صغيرٌ هبطَ على حجرٍ قُربَه.

التفتَ إليه بعينين سوداوين لامعتين، نظرةٌ قصيرةٌ كومضةِ برق، ثم نقرَ الأرضَ برأسه الدقيق، والتقطَ حبَّةً صغيرةً بمنقاره، وطار.

تركَ خلفَه دائرةَ ترابٍ مُبعثَرة، ورائحةَ مرورٍ سريعٍ كالحُلم، وإحساسًا خافتًا — لكنه أكيدٌ كالفجر — بأن الألم، مهما اشتدَّت وطأتُه، مهما ثقُلَ حملُه...

لا يمنعُ الطيران.

ابتسم.

ابتسم دون أن يشعر، دون قرار. ابتسامةٌ خفيفةٌ، غيرُ مكتملة، مُترددةٌ على حافةِ الشفتين...

لكنها — في هشاشتِها تلك — كانت كورقةٍ خضراءَ خرجت أخيرًا من قلبِ الأرضِ المُعتِم.

وتساءل: كم ورقةً فينا لا تزالُ تنتظرُ أن تُولَد؟



#عادل_الدول (هاشتاغ)       Adil_Al_Dool#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العصر الأسود: أغنية الشاشات المغلقة
- العراق: هشاشة الدولة وأزمة الهوية الوطنية
- سجون عقولنا غير المرئية: كيف تُديرنا معتقدات الطفولة القديمة ...
- التغيير الإيجابي والمستدام: في معنى التكيّف الهوياتي
- البشتون وإسرائيل: بين الأسطورة التوراتية وأدوات المشروع السي ...
- عندما يُشلّنا الخوف من الخطأ: من تبرير النية إلى امتلاك الأث ...
- هل يحتاج العالم العربي إلى ديمقراطية... أم إلى رؤية جديدة لد ...
- قانون جانتي: يُقلّل من الحسد الطبقي، ويُعزّز التماسك الاجتما ...
- هوليوود تُعيد كتابة سرديّتها: حين يكسر النجوم صمتهم عن فلسطي ...
- التسامح مع عدم اليقين
- الإنسان في عصر البيانات الرقمية: بين الوعي والسيطرة
- يطير الملفوظ... ويبقى المكتوب
- الجذور في الجحيم: في معنى المعاناة كطريقٍ للتحول
- الوساطة منهج فكري وثقافة مؤسسية
- مؤشر مايرز بريجز للأنماط (MBTI) و 16 نوعاً من الشخصية
- تعلم مهارات التعاطف والشفقة على الذات في المدرسة
- بين الطابور والطيران: مأزق الذات بين الأمان المُقنَّن والحري ...
- النجوم لا تُقارن
- أمة بلا سؤال: جسد بلا روح
- رقصة بين ضفتي الإنسان


المزيد.....




- المجلات الثقافية العراقية في المعهد الثقافي الفرنسي
- على خطى الساموراي.. استكشف بلدات -ناكاسندو- التي لم يغيرها ا ...
- الفنانة السودانية بلقيس عوض.. سيدة المسرح التي رحلت بهدوء وت ...
- المخرجة التونسية وفاء طبوبي: الهاربات ليس عرضا نسويا
- كوميدي أمريكي من أصول إيرانية يشارك نصيحته لصناع المحتوى.. م ...
- تعزيزاً لثقافة المشاركة.. محمد نبيل بنعبد الله يستقبل شباب ن ...
- -خذلنا الشعب وفشلنا-.. الممثلة البريطانية الإيرانية نازانين ...
- 7نصوص هايكو:الشاعر محمد عقدة ,دمنهور.مصر.
- أغاثا كريستي -ملكة الجريمة- الأعلى مبيعاً في التاريخ
- عشرات الفنانين العالميين يطالبون بإنهاء الهجمات الإسرائيلية ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عادل الدول - الألم... ميلادٌ لا ينتهي