أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عادل الدول - يطير الملفوظ... ويبقى المكتوب














المزيد.....

يطير الملفوظ... ويبقى المكتوب


عادل الدول
كاتب

(Adil Al Dool)


الحوار المتمدن-العدد: 8493 - 2025 / 10 / 12 - 23:59
المحور: الادب والفن
    


يطير الملفوظ مع أول نفخةِ هواء،
يتبدّد كما يتبدّد الصدى في فضاءٍ لا جدران له،
ويغيب في زحمةِ الأصوات التي لا ذاكرةَ لها.
الكلمة المنطوقة، مهما ارتفعت نبرتها أو صفا معناها،
تظل أسيرة اللحظة التي وُلدت فيها،
تموت بانتهاء الصدى،
وتُدفن في غبار النسيان.

أما المكتوب، فيرسّخ وجوده في صمتٍ أعمق من القول،
كأنّ الحبر حين يسيل على الورق
يُحوّل اللحظةَ العابرة إلى شاهدٍ على الخلود.
كل حرفٍ يُخطّ بالحبر هو وميضُ فكرٍ يطالبُ بالبقاء،
وصوتٌ صامتٌ يواصلُ الحديث حتى بعد أن يسكت صاحبه.
إنّ الكلمةَ المنطوقة عابرةٌ كالنَفَس،
أما الكلمةُ المكتوبة فتمتلكُ زمناً آخر،
تتجاوز به صاحبَها، وتبقى بعده دليلاً عليه أو له.
فهي لا تندثر بانطفاءِ الصوت،
ولا تُنسى بانفضاضِ المجلس،
بل تستحيل إلى أثرٍ يَصمد في وجهِ النسيان،
وتغدو حضورًا صامتًا يُجادل العدمَ بالحبر،
ويُثبت أنّ الفكرَ، حين يُدوَّن،
ينال حقَّه في الخلود، ولو في ذاكرة الورق.

الكتابة ليست مجرّد نقلٍ للكلام،
بل فعلُ خلودٍ واعٍ،
يتحدّى الفناء ويستبقي أثر الوعي الإنساني في العالم.
فهي ذاكرةُ الحضارة، ومحرابُ الفكر،
وملاذُ الإنسان من زوال صوته في فوضى العالم.
الملفوظ عاطفةٌ تهبّ وتخبو،
بينما المكتوب عقلٌ يستقرّ ويتأمل.
الكلام يُغري بالإنصات،
لكن الكتابة تدعو إلى التفكير.
الصوت يعلو ليُقنع،
أما الحرف فينزل عميقًا ليُوقظ.

الأمم التي تكتب أكثر مما تتحدث
هي الأمم التي تحفظ ذاكرتها،
وتبني حضارتها على صخور الحروف،
لا على رمال الأصوات.
الكلمة المنطوقة تُشبه شرارةً تلمع ثم تنطفئ،
لكن المكتوبة نارٌ كامنة تحت الرماد،
تشتعل كلما مرّ عليها عقلٌ جديد.
قد يُحاكَم الملفوظ بنسيان اللحظة،
أما المكتوب فيُحاكمه التاريخ وحده.
ومن يكتب لا يهرب من المساءلة،
لكنه أيضًا لا يُمحى من الوجود.

الكتابة ليست فقط وسيلةَ تواصل،
بل هي محاولةُ الإنسان لإنقاذ ذاته من العدم،
وتثبيتُ أثره في مجرى الزمن.
هي فنّ النجاة من النسيان،
وصيغةُ الخلود التي يمنحها الفكرُ لنفسه.
فمن يُودِع فكره في الورق
يُوقن أن موته لا يعني النهاية،
بل بداية حياةٍ أخرى للفكرة ذاتها،
تسير بين الناس بلا جسد،
وتتكاثر كلما قرأها عقلٌ جديد.

الكتابةُ تُحوّلُ الفكرةَ من فراشةٍ تطيرُ بينَ حقولِ المعرفة
إلى كائنٍ خالدٍ يستقرّ على صفحةِ الوجود؛
فبعد أن كانت تحلّقُ بخفّةٍ في فضاءِ الخيال،
تغدو بالحبرِ جسدًا له ظلّ، وصوتًا له صدى، وذاكرةً لا تُمحى.
هي اللحظةُ التي تُغادرُ فيها الفكرةُ هشاشتها لتصيرَ حضورًا،
ويتحوّلُ الوميضُ إلى نارٍ هادئةٍ تُنيرُ الدربَ للعقولِ الآتية.
إن الكلمة التي تُقال تمضي كالعمر،
أما الكلمة التي تُكتب فتبقى كالأثر؛
الأولى تُسمَع، والثانية تُخلَّد.

فما يُقالُ يموتُ بانتهاءِ الصدى،
وما يُكتبُ يبدأُ حياتهُ الأولى حين يُغلقُ الكاتبُ دفترَه.



#عادل_الدول (هاشتاغ)       Adil_Al_Dool#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجذور في الجحيم: في معنى المعاناة كطريقٍ للتحول
- الوساطة منهج فكري وثقافة مؤسسية
- مؤشر مايرز بريجز للأنماط (MBTI) و 16 نوعاً من الشخصية
- تعلم مهارات التعاطف والشفقة على الذات في المدرسة
- بين الطابور والطيران: مأزق الذات بين الأمان المُقنَّن والحري ...
- النجوم لا تُقارن
- أمة بلا سؤال: جسد بلا روح
- رقصة بين ضفتي الإنسان
- ولادة خارج الصندوق


المزيد.....




- وزير التربية والتعليم يعتمد نتيجة الدور الثاني للدبلومات الف ...
- مخطوطات موريتانيا في مواجهة التحديات.. هل تنقذها الرقمنة من ...
- ماندول النورستانية.. ذاكرة الجبال التي تقاوم النسيان
- ممدوح حمادة خلف الكاميرا للمرة الأولى.. رحلة طويلة من سلسلة ...
- -عودة الأصالة-.. صورة الفنانة السورية أصالة تعود إلى قلب ساح ...
- نقابة الفنانين السوريين تفتح باب العودة لفضل شاكر.. ودعوة رس ...
- الممثلون يبدون أصغر سنًا على الشاشة.. هل يفسد ذلك تجربة الأف ...
- العائلة السعيدة: فيلم عن الفقر في سويسرا الغنية
- الكاميرا التي لم تسقط: هاني جوهرية في الذكرى الخمسين.. من تأ ...
- أهلاً بكم في -كي-كون-.. أحد أكبر مهرجانات موسيقى الـ-كي بوب- ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عادل الدول - يطير الملفوظ... ويبقى المكتوب