أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عادل الدول - الإنسان في عصر البيانات الرقمية: بين الوعي والسيطرة














المزيد.....

الإنسان في عصر البيانات الرقمية: بين الوعي والسيطرة


عادل الدول
كاتب

(Adil Al Dool)


الحوار المتمدن-العدد: 8494 - 2025 / 10 / 13 - 21:16
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


نعيش اليوم في زمنٍ استثنائي، حيث لم تعد المعرفة تُقاس برفوف المكتبات، بل بوحدات البيانات الرقمية. الحياة نفسها باتت تُدار عبر خوارزميات معقدة، لا عبر الحدس أو التجربة الإنسانية التقليدية. هذا التحوّل ليس تقنيًّا فحسب، بل وجوديٌّ في جوهره: ماذا يعني أن تكون إنسانًا في عالمٍ تحكمه الآلات الذكية؟

التكنولوجيا الحديثة تمنحنا أدوات فائقة لفهم أنفسنا وعالمنا، لكنها في الوقت نفسه تهدّد بإعادة تعريف جوهر الإنسانية. فالبيانات التي تُولَّد من كل نقرة، خطوة، أو حتى نظرة، لم تعد سجلات سلبية لأنشطتنا اليومية، بل قوة فاعلة تشكّل رغباتنا، توجّه قراراتنا، وتصوغ وعينا الفردي والجماعي.

البيانات: كنزٌ أم سجنٌ؟
من ناحية، تمثّل البيانات الضخمة ثورة معرفية حقيقية. ففي البيئة، تُستخدم أجهزة الاستشعار لرصد التغيرات المناخية بدقة غير مسبوقة. وفي الطب، أصبح تحليل الجينوم البشري ممكنًا في ساعات وبتكلفة زهيدة، مما يفتح أبواب العلاجات المخصصة لأمراض كالسرطان. أما في السلوك البشري، فشركات مثل "نتفليكس" تعرف متى تتوقّف عن المشاهدة، وكم مرة تعيد المشهد، بل وتنبّأ بما ستشاهد لاحقًا.

لكن هذه القوة تحمل سيفًا ذا حدين. فكلما زادت قدرة الخوارزميات على "فهم" الإنسان، ازداد خطر تحويل هذا الفهم إلى أداة سيطرة. كما توضح الباحثة ساندرا ماتز في كتابها "مايند ماسترز"، فإن نفس الأدوات التي تكشف "من نحن" يمكن أن تُستغل لتحديد "من يجب أن نكون" وفق أجندات خفية. في يد غير أخلاقية، تتحول الخوارزمية من مرآة إلى سجن ناعم.

التلاعب الخفي: عندما تُختطف الإرادة
أبرز تجسيد لهذا الخطر ظهر في فضيحة "كامبريدج أناليتيكا" عام 2018، حين جُمعت بيانات أكثر من 87 مليون مستخدم لفيسبوك دون موافقتهم، ووُظّفت لبناء ملفات نفسية دقيقة باستخدام نموذج "OCEAN". بهذه المعرفة، أصبح بالإمكان التنبؤ بالسلوك الانتخابي بدقة تصل إلى 85%، وتصميم رسائل إعلانية تستهدف المخاوف أو الطموحات الشخصية، والتأثير على القرار دون أن يشعر الفرد بأنه يتعرض للتلاعب.

هذا يطرح سؤالًا فلسفيًّا جوهريًّا: إذا كانت قراراتنا قابلة للتنبؤ والتوجيه بهذه الدقة، فهل نحن حقًّا أحرار؟ أم أن حريتنا أصبحت وهماً تحت سيطرة خوارزميات لا نراها؟ المشكلة ليست في البيانات، بل في اختلال التوازن المعرفي: الشركات تعرف عنك أكثر مما تعرف عن نفسك، بينما أنت في الظلام. ان المشكلة ليست في البيانات نفسها، بل في عدم التوازن المعرفي. الشركات تعرف عنك أكثر مما تعرف عن نفسك، وتستخدم هذه المعرفة بينما أنت في الظلام. هذا يشبه لعب الشطرنج ضد خصم يرى كل خطواتك القادمة بينما أنت أعمى.

الهوس بالقياس: عندما تُفقد العمق الإنساني
ثمة خطر أعمق، أكثر خفاءً وربما أخطر على المدى البعيد: الانحسار الداخلي للذات الإنسانية. في عالم يُقاس فيه كل شيء، نصبح مهووسين بالأرقام على حساب المعنى. وبدلاً من من التأمل يصبح التتبع غاية.
خذ مثال تطبيقات اللياقة البدنية. أصبح الناس يهتمون بـ:
عدد الخطوات (10,000 خطوة يومياً!)
معدل ضربات القلب (هل وصلت إلى المنطقة المثالية؟)
السعرات المحروقة (كل سعرة محسوبة)
جودة النوم (كم دورة REM أكملت؟)

لكن قليلين يسألون: لماذا أمشي؟ هل لأن الهواء منعش وأستمتع بالطبيعة؟ أم فقط لإكمال رقم على شاشة؟
كذلك نفس الحال في تطبيقات النوم التي حولت الراحة إلى مؤشرات إحصائية، وتطبيقات العلاقات التي تُحلّل الحب كمعادلة. أصبحنا اليوم نعرف كل شيء عن أنفسنا من حيث الكم، لكننا ننسى أن نسأل: من نحن؟ وما معنى حياتنا؟

النتيجة المفارقة: في عصر التواصل الفائق، يعاني الناس من وحدةٍ أعمق—ليست غياب الآخرين، بل غياب الذات الحقيقية في عالم افتراضي أوخلف أقنعة رقمية وملفات بيانات.

البيانات كأداة تحرير، لا قيد
مع ذلك، ليست البيانات شرًّا بحد ذاتها. مثل النار، يمكن أن تُضيء أو تحرق. ففي الصحة النفسية، يستخدم تطبيق "Woebot" الذكاء الاصطناعي لتقديم دعم عاطفي مخصص. وفي اليابان، أنقذت أنظمة تحليل البيانات آلاف الأرواح عبر رصد علامات الانتحار المبكرة. وفي أفريقيا، ساعدت الزراعة الذكية مزارعين على تحسين إنتاجهم بنسبة 30%. الفرق يكمن في النية: هل نستخدم البيانات لخدمة الإنسان، أم لاستغلاله؟

نحو مستقبل واعٍ..
توجد ثلاث ركائز لإعادة التوازن، نحتاج إلى:

أولًا: الشفافية الخوارزمية
يجب أن يعرف المستخدم ما البيانات التي تُجمع عنه، وكيف تُستخدم، ولماذا ظهر له محتوى معين. الشفافية تكسر الصندوق الأسود الذي تعمل فيه المنصات.

ثانيًا: التربية الرقمية
لا يكفي تعليم البرمجة. يجب غرس "محو الأمية الخوارزمية": فهم كيفية عمل الخوارزميات، والتمييز بين الارتباط والسببية، وتعلم حماية الخصوصية. فنلندا وإستونيا سبقتا العالم في هذا المجال.

ثالثًا: حوكمة أخلاقية دولية
البيانات لا تعترف بالحدود. نحتاج إلى اتفاقيات عالمية تحظر استخدام البيانات النفسية للتلاعب السياسي، وتحمي خصوصية الأطفال، وتنشئ هيئات رقابية مستقلة—كما نفعل مع الأسلحة الكيميائية، لأن الوعي البشري أثمن من أي مورد.

من سنكون؟
البيانات مرآة عمياء. إن وُضعت أمام الجشع، عكست عالمًا من الاستغلال. وإن وُضعت أمام الحكمة، كشفت طرقًا جديدة للشفاء والتواصل.

السؤال ليس: هل سنستخدم البيانات؟ بل: من سنكون حين نستخدمها؟
الفوز الحقيقي لا يكمن في جمع أكبر قدر من البيانات، بل في الحفاظ على ما يجعلنا بشرًا: حرية الاختيار، القدرة على الشك، التعاطف، والحب—تلك المشاعر التي لا تُترجم إلى أرقام.

التكنولوجيا ليست قدراً محتومًا، بل اختيارٌ نصنعه كل يوم.
والخيار الآن بين أن نكون مجرد بيانات تُوجّه، أو أن نبقى بشراً يستخدمون البيانات لبناء عالم أكثر عدلاً، وعياً، وإنسانية.



#عادل_الدول (هاشتاغ)       Adil_Al_Dool#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يطير الملفوظ... ويبقى المكتوب
- الجذور في الجحيم: في معنى المعاناة كطريقٍ للتحول
- الوساطة منهج فكري وثقافة مؤسسية
- مؤشر مايرز بريجز للأنماط (MBTI) و 16 نوعاً من الشخصية
- تعلم مهارات التعاطف والشفقة على الذات في المدرسة
- بين الطابور والطيران: مأزق الذات بين الأمان المُقنَّن والحري ...
- النجوم لا تُقارن
- أمة بلا سؤال: جسد بلا روح
- رقصة بين ضفتي الإنسان
- ولادة خارج الصندوق


المزيد.....




- فيديو صادم يوثق لحظات الرعب على الطريق.. سائق أجرة ينقذ سيدة ...
- -غارة إسرائيلية عنيفة على بيت جن بريف دمشق-.. ما حقيقة الفيد ...
- أجواء فنزويلا تحت التحذير الأميركي.. ما وراء إعلان ترامب الم ...
- مهنة وُلدت من رحم المعاناة.. غزاوية تعيد للنقود التالفة قيمت ...
- هل مستقبل زيلنسكي السياسي مطروح؟
- قطاع غزة: وزارة الصحة تعلن حصيلة قتلى تفوق 70 ألف شخص منذ 7 ...
- العياشي الهمامي: أستعد لمداهمة منزلي واعتقالي ولن نهرب من مو ...
- جولة لـCNN داخل أحد أنفاق حزب الله.. تجهيزات طبية ومطابخ في ...
- وزير الإعلام السوري: إسرائيل تريد استفزاز دمشق بتوغلاتها الع ...
- كيف عادت آلاف من طائرات إيرباص للتحليق بعد واحدة من أكبر عمل ...


المزيد.....

- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو
- حكمة الشاعر عندما يصير حوذي الريح دراسات في شعر محمود درويش / د. خالد زغريت
- التاريخ يكتبنا بسبابته / د. خالد زغريت
- التاريخ يكتبنا بسبابته / د. خالد زغريت
- جسد الطوائف / رانية مرجية
- الحجز الإلكتروني المسبق لموسم الحنطة المحلية للعام 2025 / كمال الموسوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عادل الدول - الإنسان في عصر البيانات الرقمية: بين الوعي والسيطرة