رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات
(Rania Marjieh)
الحوار المتمدن-العدد: 8541 - 2025 / 11 / 29 - 12:07
المحور:
الادب والفن
يأتي كتاب “ليلة القبض على الديك” للكاتب الفلسطيني مصطفى عبد الفتاح، الصادر عن دار سهيل عيساوي للطباعة والنشر، بوصفه نصًا قصصيًا موجّهًا للأطفال، لكنه في العمق عملٌ رمزيٌّ مشحون بأسئلة الكبار وهواجسهم. إنّه من تلك الأعمال التي تقرأها بعيون طفلة، ثم تعود إليها بوعي راشد، فتكتشف أنّ الحكاية لم تكن يومًا عن ديكٍ ودجاجاتٍ وثعالب فحسب، بل عننا جميعًا؛ عن أصواتنا، عن خوفنا، وعن علاقتنا الملتبسة بالسلطة والحرية.
أولًا: عين اليمّانة… قرية أم نموذج كوني؟
يختار عبد الفتاح قرية عين اليمّانة مسرحًا للأحداث. للوهلة الأولى، يبدو اختيار القرية امتدادًا لتقاليد أدب الأطفال العربي الذي يستعير الريف كفضاء للبراءة والهدوء. لكن الكاتب يتجاوز هذا الاستخدام التقليدي؛ فالقرية هنا ليست خلفية محايدة، بل بنية رمزية متكاملة:
• هي مكان بسيط، لكنه محكوم بنظام يومي واضح: صياح الديك فجرًا، حركة الأهالي إلى الحقول، علاقة تكافل بين الإنسان والحيوان.
• وهي في الوقت نفسه فضاء هشّ، يمكن لغياب صوت واحد – صوت الديك – أن يربك إيقاعها ويفتحها على الفوضى والخوف.
بهذا المعنى، تتحوّل عين اليمّانة إلى صورة مصغّرة للعالم؛ أي عالم تعتاد فيه المجتمعات على وجود “صوتٍ ما” ينبهها، فتنسى أن تحميه، بل قد تصدق أحيانًا أنّ التخلص منه يمنحها راحة أكبر.
ثانيًا: الديك كاستعارة كبرى للوعي والحق
لا يقدّم الكاتب ديكه كبطلٍ خارق أو شخصية مثالية؛ بل ككائنٍ يؤدي دوره الطبيعي:
يستيقظ مع الفجر، يصدح بصوته، يحمي دجاجاته، ويوقظ القرية.
لكن هذا “الطبيعي” يتحوّل في منطق السلطة إلى “خطر” ينبغي احتواؤه.
الديك هنا استعارة مركّبة يمكن قراءتها على مستويات عدّة:
1. مستوى طفولي مباشر:
الديك كحارس للمزرعة، رمز للنشاط والصحو والعمل المبكر.
2. مستوى اجتماعي:
الديك كصوتٍ مدنيّ يذكّر الناس بمسؤولياتهم، يوقظهم من الخمول والتواكل.
3. مستوى سياسي وفلسفي:
الديك كرمز للمثقف أو المناضل أو الصحافي أو الفنان الذي يصرّ على ممارسة دوره الطبيعي في قول الحقيقة، فيتحوّل حضوره إلى مصدر إزعاج لمن يريدون قرية خاملة، ساكنة، “مستقرة” تحت سقف القمع.
لهذا لا نستغرب أن تكون ذروة الصراع في الحكاية مرتبطة بمحاولة اعتقال الديك وإسكاته. فالاعتقال هنا ليس عقوبة على خطأ ارتكبه، بل عقوبة على حقّه في الوجود بصورته الأصلية: صوته.
ثالثًا: برقاش… حين يتخذ الضمير هيئة كلب
من أجمل اختيارات النص أنّه منح الكلب برقاش دورًا مركزيًا في المقاومة والدفاع. في المخيال الشعبي، الكلب رمز الوفاء، لكن عبد الفتاح لا يكتفي بهذا البعد؛ إنه يطوّره ليصبح:
• ضمير القرية الأخلاقي؛
• الحارس الذي يرى ما لا يراه الآخرون؛
• اللسان الذي يجرؤ على مخاطبة “سيد الغابة” بلغة الحق لا بلغة الخضوع.
برقاش لا يدافع عن الديك لمجرّد صداقة شخصية، بل لأنّه يفهم المعنى الأعمق لوجوده:
إذا سكت الصوت اليوم، سيسكت الجميع غدًا.
بهذا المعنى، يقدّم النص للطفل نموذجًا نادرًا:
بطلٌ ليس خارقًا، ولا يملك قدرات سحرية، بل يملك فقط موقفًا شجاعًا وإيمانًا بالعدالة.
رابعًا: تحالف الحيوان الأليف… درس في المواطنة والتنوّع
تتقدّم القصة إلى مستوى جديد حين نرى القطط، والكلاب، والدجاجات، وسائر الحيوانات الأليفة في القرية تتكاتف لحماية الديك والدفاع عن حقه في الحرية. هذا التحالف لا يمكن قراءته فقط كحدث قصصي مثير، بل كـ مشروع تربوي واضح المعالم:
• فلا معنى للبطولة الفردية في غياب تضامن جماعي.
• والاختلاف في الشكل واللون والنوع لا يُلغي إمكانية الوحدة في الهدف والقيمة المشتركة.
• والعدالة لا تُصان بوجود “بطل واحد”، بل بوجود مجتمع يقف خلفه.
بهذا يُربّي النص الطفل على مفهوم المواطنة المشتركة: كل كائن – مهما بدا بسيطًا أو ضعيفًا – يملك دورًا لا غنى عنه في حماية الحرية العامة.
خامسًا: سيد الغابة… تراجيديا السلطة الخائفة
أكثر مشاهد الكتاب كثافةً دلالية هي تلك التي يقف فيها برقاش وحيوانات القرية أمام سيد الغابة، مطالبين بإطلاق سراح الديك.
هنا يعرّي الكاتب خطاب الاستبداد بلغة شفافة بسيطة، لا تحتاج إلى تنظير:
• سيد الغابة لا يتهم الديك بجرم حقيقي؛
• ما يخيفه هو أثر صياحه على “النائمين والمتقاعسين”، أي على من يستسلمون للكسل والخوف؛
• يجرّم الصوت لأنه يوقظ، ويعتبر الإزعاج الذي يسبّبه للغافلين “خطرًا على الاستقرار”.
في هذا الحوار، نلمح ملامح كل سلطة تخشى النور:
تريد شعبًا هادئًا، منزوع الأسئلة، أكثر مما تريد قرية حيّة تطرح التساؤلات وتواجه مصيرها بوعي.
ورغم أن النص موجّه للصغار، فإنّ القارئ البالغ لا يستطيع تجاهل إسقاطاته على واقع عربي مأزوم، تُعامل فيه حرية التعبير كثيرًا كخطر أمني لا كحق إنساني.
سادسًا: بنية السرد ولغة الحكاية
من ناحية فنية، يعتمد مصطفى عبد الفتاح على سرد خطّي واضح يناسب الفئة العمرية المستهدفة، لكنه يطعّمه:
• بفصول/مقاطع قصصية ذات نهايات صغيرة تشدّ القارئ إلى ما بعدها؛
• بجمل ذات إيقاع موسيقي، قريبة من اللغة الشعرية، دون أن تسقط في الزخرفة؛
• بتكرارات محسوبة في وصف الديك وصياحه وحضور برقاش، ما يرسّخ في ذهن الطفل محاور الحكاية الأساسية.
كما أنّ الحوار بين الشخصيات – خاصة بين برقاش وسيد الغابة – مكتوب بلغة يمكن أن تُقرأ على مستويين:
1. مستوى بسيط يفهمه الطفل: شكوى، دفاع، حجة وردّ؛
2. مستوى رمزي يلتقطه الراشد: نقد لبنية الحكم، لتسييس الأمن، لتجميل القمع تحت شعار “راحة الآخرين”.
هذا التوازن بين البساطة والعمق، بين الطفولة والفلسفة، يُحسب للكاتب ويكشف عن خبرة في التعامل مع وعي الطفل بوصفه وعيًا قادرًا على التقاط المعنى، لا كوعاء فارغ يحتاج إلى الوعظ.
سابعًا: الصورة البصرية شريكٌ في السرد
مع أن القراءة الحالية تركّز على النص، لا يمكن تجاهل الدور الذي تلعبه الرسومات المرافقة في الكتاب.
فاللوحات الملوّنة:
• تكرّس التباين بين دفء القرية في حضور الديك، وقتامة الجو عند اعتقاله؛
• تُظهر وجوه الحيوانات بتعبيرات واضحة: خوف، غضب، تضامن، فرح؛
• تمنح الطفل فرصة لتتبّع الأحداث بصريًا، ما يعزّز قدرته على التخيّل وربط الصورة بالكلمة.
هنا يبرز دور دار سهيل عيساوي للطباعة والنشر التي أحسنت الاستثمار في البعد الجمالي للكتاب، فجاءت الطبعة أنيقة، ملائمة للقراءة الفردية والجماعية في المدارس والبيوت.
ثامنًا: البعد التربوي – من الوعظ إلى التربية على السؤال
القيمة التربوية في “ليلة القبض على الديك” لا تكمن في الرسالة المباشرة، بل في المسار الذي يقطعه الطفل داخل الحكاية.
فالطفل لا يتلقّى في نهاية الكتاب قائمة جاهزة من “العبر”، بل يخرج بأسئلة من قبيل:
• لماذا يُزعج صوت الديك بعضهم بينما يطمئن إليه آخرون؟
• هل من حق أي سلطة أن تمنع كائنًا من التعبير عن نفسه إذا لم يعتدِ على أحد؟
• ما معنى أن تجتمع الحيوانات كلّها للدفاع عن فرد واحد؟ ومتى يصبح الدفاع عن الآخر دفاعًا عن الذات؟
هذه الأسئلة هي الجوهر الحقيقي لأي مشروع تربوي حديث؛
مشروع لا يكتفي بتلقين الطفل قيمًا مطلقة، بل يدرّبه على التفكير النقدي، على قراءة العالم، وعلى فهم أن العدالة ليست شعارًا معلّقًا على الجدران، بل ممارسة يومية تتجسّد في مواقف صغيرة: في الدفاع عن صديق، في رفض الظلم، في تقدير الاختلاف.
تاسعًا: مكانة الكتاب في سياق أدب الطفل الفلسطيني
لا يمكن فصل هذا النص عن سياقه الأوسع: سياق أدب الطفل الفلسطيني الذي يحمل في جوهره همًّا مضاعفًا:
• همّ التربية على القيم الإنسانية الكونية؛
• وهمّ حماية الذاكرة والهوية في واقعٍ يُصرّ فيه الاحتلال على اغتيال الصوت والصورة والمكان.
في هذا الإطار، يصبح الديك في الحكاية أقرب إلى صورة المواطن/المناضل/الإنسان الفلسطيني الذي يُطالَب بالصمت كي لا “يزعج” العالم بروايته، في حين أن روايته هي شرط وجوده الوحيد.
وإن كان النص لا يذكر فلسطين صراحة، فإن روحها تسكن التفاصيل: في إصرار الكائنات الصغيرة على حقها في العيش الحر، في رفض القرية أن تعود إلى نومها القسري، وفي إيمانها بأن الصوت الذي يُسكَت اليوم سيتحوّل غدًا إلى صرخة أكبر.
خاتمة: لماذا نحتاج إلى هذا الكتاب اليوم؟
لأننا نعيش في زمن تتكاثر فيه الأصوات، لكنها لا تتحوّل بالضرورة إلى وعي؛
ولأن أطفالنا محاصرون بين ضجيج الشاشات وصمت الخوف؛
ولأننا بأمسّ الحاجة إلى حكايات تقول لهم بهدوء وصدق:
• إنّ الصوت حق،
• وإنّ الاختلاف ثروة،
• وإنّ التضامن قوة،
• وإنّ الحرية ليست ترفًا بل شرطًا إنسانيًا أساسيًا،
• وإنّ الديك الذي يوقظنا لا يجب أن يُعتقل، بل أن يُصان صياحه كجزء من موسيقى الحياة.
“ليلة القبض على الديك” ليس كتابًا للترفيه العابر؛
إنه نصّ جدير بأن يُقرأ في البيوت، في الصفوف المدرسية، وفي حصص المطالعة الحرة، وأن يكون موضوع حوار بين الأطفال ومعلميهم وأهاليهم.
فهو يفتح بابًا نادرًا في أدب الطفل العربي: باب التفكير في الحرية من خلال حكاية بسيطة، دافئة، وشفافة.
بهذا كله، يقدّم مصطفى عبد الفتاح، بدعم واعٍ من دار سهيل عيساوي للطباعة والنشر، عملًا يليق بأدب الطفل العربي، ويزيد عبء المسؤولية على من يكتبون للصغار:
أن يدركوا أن الطفل يستحق أدبًا يحترم عقله وقلبه معًا،
ويمنحه حقه الكامل في أن يستيقظ، على صياح ديكٍ لا يخاف، ولا يُخيف إلا من اعتادوا العيش في العتمة.
#رانية_مرجية (هاشتاغ)
Rania_Marjieh#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟