أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - في القطار من الرملة إلى حيفا… وفي الذاكرة من اللد إلى رام الله














المزيد.....

في القطار من الرملة إلى حيفا… وفي الذاكرة من اللد إلى رام الله


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8540 - 2025 / 11 / 28 - 12:04
المحور: الادب والفن
    


لم يكن القطار في ذلك الصباح

يسير على سكةٍ من حديد،

بل كان يسير على سيرة نساء عائلتي—

كلّ واحدة منهن مدينة،

وكلّ مدينةٍ منهن جرحٌ جميل

لا يندمل.

١. جدّتي… اللد التي تمشي على قدمين


عندما يبدأ القطار بالتحرّك من الرملة

أغمض عينيّ،

فأرى جدّتي

قبل أن تتكسر البلاد على صرخات الـ1948،

تقف أمام بيتها في اللّد

وتقول للحجارة:



“إذا أخذوني اليوم،

فأنا أعرف

أن التراب سيعيدني غدًا.”



كانت امرأةً

لا تحفظ التاريخ من الكتب،

بل من ثنيات كفّيها

ومن وجوه الجيران

الذين رحلوا فجأة

كأن أحدًا أطفأ ضوء المدينة فجأةً

وتركها في العتمة.



وحين هُجِّرت إلى رام الله

كانت تسير وفي قلبها

مفتاح بيتٍ

لم يُغلق الباب بعده أبدًا،

وتحمل فوق كتفيها طفلة صغيرة

وتحت جفنها مدينة كاملة

تصرّ ألا تموت.



رام الله لم تكن منفاها؛

كانت يدها اليمنى التي تمسح الدمع،

بينما بقيت اللّد

يدها اليسرى

التي تشدّ بقوةٍ

على ما تبقى من الذاكرة.

٢. أمّي… بنت رام الله التي تزوّجت الرملة


أمي وُلدت في رام الله،

في بيتٍ كان يُشبِه بداية نشيد،

وبيوت الجيران تتنفس قهوة الصباح

وكأن الجبل نفسه يشرب مع النساء

جرعة حياةٍ كل فجر.



نشأت أمي

بين حجارة المدينة البيضاء،

وبين أحاديث النساء

عن اللّد التي كانت،

وعن الطريق التي لم يعد لها طريق.



كبرت،

وحين فتحت قلبها للحياة،

تزوّجت وانتقلت إلى الرملة،

لم تكن تعرف

أنها تضع قدمًا في مدينة

ستحملها بدورها إلى حيفا

وتعيدها إلى رام الله

مع كل قصة تحكيها لها الجدة.



أمّي كانت تصلي قلبها

كلّما جاء عيد العذراء – سيدة الكرمل،

كانت تقول:



“في حيفا…

تنزل الرحمة كالمطر،

ويسمع البحرُ

وجع النساء أفضل من أيّ كاهن.”



ذلك الإيمان الصافي

كان ميراثها الحقيقي.

٣. وأنا… حفيدة المدن الأربع


وأنا اليوم

أجلس في القطار

كمن يجلس في حضن التاريخ.

لا أرى الطريق،

أرى النساء:

أرى جدّتي

تهجّر من اللّد كمن يُقتلع من صدره قلب.

أرى أمي

تولد في رام الله كولادة موسيقى.

أراها تتزوج في الرملة

كمن يضع حياته في بيتٍ جديد

لكن روحه تبقى قريبة من سيدة الكرمل.

وأرى نفسي

أحمل كلّ ذلك،

كأنّ البلاد كلها

خيط واحد متصل بقلبي.

٤. البحر… وحنين الأم


كلما اقتربنا من الساحل

كنت أشمّ البحر

كما تشمه أمّ تبحث عن أطفالها.

أشعر أنها تمشي بجانبي،

تسألني بصوتها الذي حفظته من الغياب:



“هل سنصل اليوم يا ابنتي

إلى سيدة الكرمل؟”



أبتسم،

لأنني أعرف أنها

لم تزر حيفا يومًا

من أجل البحر،

بل من أجل الراحة التي تأتي

عندما تضيء شمعة صغيرة

وتسقط كلّ الهموم

على قدمي العذراء.

٥. عند سيدة الكرمل… ثلاث شموع


أصعد الدرجات ببطء

كمن يصعد عمره كلّه.

تقف الكنيسة البيضاء

كأمٍّ كبرى لا تكبر،

تحمل وجع المدن كلها

ولا تقول شيئًا.



أشعل الشمعة الأولى

لأمّي.

والثانية

لجدّتي.

والثالثة

للمدن الأربع التي صنعتني:



اللّد — رام الله — الرملة — حيفا.



أقول للعذراء،

هذه النساء

لم يخذلن يومًا…

فلا تخذليهن الآن.

٦. من حيفا إلى رام الله… عودة الروح إلى جسدها


وعندما أغادر حيفا

أشعر أن الروح

تسبقني نحو رام الله،

تعود إلى المدينة التي

حملت جدّتي،

وولدت أمي،

وتربيتُ أنا فيها

قبل أن تأخذني الأيام إلى الرملة.



في رام الله

ينتهي الخط الجغرافي،

لكن يبدأ خطّ آخر:

خطّ الذاكرة،

الذي لا ينتهي

ولا يسمح لنا

وأن نكون بلدًا واحدًا فقط،

بل أن نكون عدّة بلادٍ

في صدر امرأة واحدة.

٧. خاتمة: النساء هنّ خريطة الوطن


أفهم الآن

أن الوطن

ليس المدن الأربع،

ولا القطار،

ولا الطريق.



الوطن

امرأة

تُهجّر من اللد،

وتنهض في رام الله،

وتتزوج في الرملة،

وتصلي في حيفا،

ثم تلد

حفيدتها…



لتكمل الرحلة.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأمهات في السماء حاضرات
- ✒️ كيف نواجه أوجاعنا؟ رؤية إنسانية عميقة من زا ...
- ✦ قراءة وارفة في رواية “أنا من الديار المقدّسة” للفتي ...
- المرأة العربية… حين يصبح الأمان ترفًا والعدالة معركة
- قراءة نقدية موسّعة لرواية “الخطّ الأخضر” بين السرد والذاكرة… ...
- **استراتيجية القراءة والكتابة
- يزن… ذلك الجزء من الأم الذي لم يغِب يومًا
- حين تنحرف السياسة عن الإنسان… وتخسر الدول معناها
- تركتُ كلّ شيءٍ خلفي… واتّبعتُ ضميري وقلبي
- يا موت… مهلًا، ألا تتعب؟
- ما نتعلّمه حين نتوقف عن الهرب من الحقيقة
- قصيدة: بيتُ لحم… حين تنهض الأرض بوجوه النساء
- **قراءة نقدية في كتاب «أسلاك كهرباء مكشوفة للريح والمطر» ليا ...
- “سامر… حين اكتشف أن الظلّ ليس قدرًا”
- إيمان خطيب ياسين… امرأة صنعت حضورها بالصدق لا بالمنصب
- حين يحمل الجسدُ الوطن ملحمة إنسانية عن الذين هُجِّروا كي لا ...
- إنسان للإنسان إنسانإنسان للإنسان إنسان
- اسمع مني… إذا بدك تكون محبوب عند “شلل” الأحزاب العربية
- مقال: فلسطين… بين مطر غزة ونار الضفة، والعالم يواصل صمته الم ...
- آدم: موسيقى خرجت من قلبٍ كان يظنّه العالم خطراً


المزيد.....




- -خروج آمن- و-لمن يجرؤ- يشاركان في مهرجان برلين السينمائي
- روسيا: الرواية الأمريكية حول تشكيل موسكو تهديدا على غرينلاند ...
- الممثل الأميركي ويل سميث يزور أهرامات الجيزة في مصر
- -الذكاء الاصطناعي.. ببساطة-: دليل جديد لهيلدا معلوف ملكي يفك ...
- كضيف شرف معرض القاهرة الدولي للكتاب: رومانيا تستعرض تراثها ا ...
- هل يقود العدوان على غزة لتعليق مشاركة إسرائيل في بينالي فيني ...
- عقدان من تدريس الأمازيغية.. ماذا يحول دون تعميم تدريس لغة ال ...
- -أوبن إيه آي- تطلق نسخة مخصصة للترجمة من -شات جي بي تي-
- العمدة الشاعر الإنسان
- إيران في مرآة السينما: كيف تُصوّر الأفلام مجتمعا تحت الحصار؟ ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - في القطار من الرملة إلى حيفا… وفي الذاكرة من اللد إلى رام الله