أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - قراءة نقدية موسّعة لرواية “الخطّ الأخضر” بين السرد والذاكرة… حين تكتب الابنةُ سيرة والدها وتاريخ جيل بأكمله














المزيد.....

قراءة نقدية موسّعة لرواية “الخطّ الأخضر” بين السرد والذاكرة… حين تكتب الابنةُ سيرة والدها وتاريخ جيل بأكمله


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8537 - 2025 / 11 / 25 - 11:44
المحور: الادب والفن
    


في عالم تتكثّف فيه الجراح الفلسطينية وتتزاحم الأصوات على أبواب الذاكرة، تأتي رواية “الخطّ الأخضر” للكاتبة رولا خالد غانم لتؤكّد أنّ الحكاية الفردية ما تزال الطريق الأصدق لفهم المأساة الوطنية.

هذه الرواية ليست مجرّد عمل تخييلي، بل وثيقة روحية ووجدانية تستعيد فيها الكاتبة قصة والدها كما تعلن في المقدّمة، وتحوّلها إلى مرآة كبيرة تعكس وجوه الفلسطينيين الموزعين بين حدود وقصص وغيابات لا تنتهي.



الرواية، على امتداد صفحاتها، تستعيد الذاكرة كمن يمسح الغبار عن لوحةٍ قديمة، لا لتجميلها، بل ليرى تفاصيلها كما هي: صاخبة، حزينة، متشققة، ولكنها ما تزال قابضة على الحياة.

أولًا: بين سالِف وعبد الله… حكاية جيلين يشتركان في المصير



تبدأ الرواية من نقطة فقدٍ مؤلمة: رحيل الأب.

لكنّ الكاتبة لا تكتب مأساة الفقد بوصفها حدثًا شخصيًا، بل كفوهةٍ مفتوحة على أسئلة الهوية والذاكرة.

سالف، ابنة الراحل، تمشي في الرواية كما يمشي الفلسطيني في وطنه:

باحثة عن جذورٍ قُطعت، وعن وجهٍ تسرّب من يدها، وعن بيتٍ لم يعد كما كان.



ولمّا تنتقل الرواية إلى قصة عبد الله، والد الكاتبة، نكتشف أنّه ليس مجرد شخصية مركزية، بل بؤرة دلالية تتجمّع حولها رموز الأرض والحرمان والحرية.

هو الفتى الذي كان يهرب من المدرسة ليعانق التراب، وهو الشاب الذي خُطف إلى عالم أكبر من عمره، وهو الفلسطيني الذي عاش حياته على حدودٍ صنعها الغير، لكنه لم يسمح لتلك الحدود أن تصنع روحه.



إنّ حكاية الأب هنا ليست حكاية رجل واحد…

إنها حكاية أبناء فلسطين الذين يكبرون قبل أوانهم، ويحملون فوق أكتافهم أثقالًا لم تُصنع لأعمارهم.

ثانيًا: الخطّ الأخضر… جرح جغرافي أم انقسام وجودي؟



يُعاد توظيف الخطّ الأخضر في الرواية بوصفه رمزًا يتجاوز المعنى السياسي التقليدي.

لا يعود الخطّ مجرد ترسيم حدود، بل يتحوّل إلى انشطارٍ نفسي:

حدّ يفصل بين الأب وابنته

بين الماضي والحاضر

بين ما تركه الاحتلال وما حاول الفلسطيني إنقاذه

بين القرية التي انقسمت قسرًا

وبين الإنسان الذي ضاعت خطواته في خارطة ليست خارطته



بهذا المعنى، يصبح الخط الأخضر جغرافيا الداخل أكثر مما هو خارطة الخارج؛

حدًّا يتسرّب إلى الوعي، ويعيد تشكيل نظرة الفلسطيني إلى ذاته وإلى مكانه.

ثالثًا: اللغة… حين تصبح الجملة مرآة للذاكرة



تكتب رولا غانم بأسلوبٍ يتّسع للبوح دون إفراط، وللشعر دون استعراض.

لغة الرواية متجذرة في البيئة الفلسطينية:

رائحة الشاي بالميرمية

نداءات الجارات

ضحكات الأطفال في أزقة طولكرم

بكاء الأم الذي يشبه نشيدًا خافتًا

وقع الأقدام على ترابٍ يعرف أسماء أصحابه



هذه التفاصيل ليست مجرد ديكور سردي؛

إنها أعمدة الذاكرة الفلسطينية التي يحفظها النص كما تُحفظ التحف الغالية:

بمحبة، وبحرص، وبوعيٍ بأنّ فقدانها هو فقدان للذات.

رابعًا: الرواية بين الاجتماعي والسياسي



تمتاز الرواية بقدرتها على الجمع بين:

السرد الاجتماعي الذي يرسم تفاصيل الحياة اليومية

والسرد السياسي الذي يكشف تأثير الاحتلال والحدود والانقسام على الأسرة الفلسطينية



من خلال قصة عبد الله، تكشف الكاتبة عن:

العمالة والخيانة

القمع والاختطاف

دور الأجهزة العسكرية

التباس الهوية بين الضفة والأردن والداخل المحتل

والانشطار الذي خلّفته اتفاقيات رسمت مصير القرى بقلمٍ لا يعرف وقع الأقدام



الرواية هنا لا تُدين أحدًا بقدر ما تُدين زمنًا كاملًا كان الفلسطيني فيه مجرد رقم على أطراف خارطة.

خامسًا: القيمة الإنسانية للعمل — حين يتحوّل السرد إلى فعل مقاومة



قوة الخط الأخضر لا تأتي من دفتر التاريخ…

بل من القلب الذي كتبته ابنةٌ تبحث عن أبيها في الذاكرة بعد أن عجزت الأرض عن إعادته إليها.



الرواية هنا تُعيد الاعتبار إلى القصص الصغيرة؛ إلى حكايات الأشخاص الذين لم يكتبوا بيانات سياسية، لكن حياتهم كانت — في حقيقتها — شهادة يومية على البقاء.



اختارت الكاتبة أن تحكي قصة والدها لتقول:

إنّ الأب الذي ذهب، لم يذهب.

وإنّ الرجل الذي عبر الحدود، لم يعبر الذاكرة.

وإنّ الفلسطيني، مهما قُسّم وطنه، لا تُقسَّم روحه.

خاتمة: الخط الأخضر… حدودٌ تتلاشى حين نحكي قصصنا



من يقرأ الخط الأخضر لا يخرج منه كما دخل.

فالرواية تذكّرنا بأنّ التاريخ ليس ما يُكتب في الكتب، بل ما يُكتَب في صدور الناس.

وتذكّرنا بأنّ الأب، حين يرحل، يترك خلفه ما هو أثمن من الحكاية:

يترك ذاكرةً تُكمل الطريق.



هذه الرواية، ببنيتها الهادئة ولغتها الدافئة وشهادتها الإنسانية، تليق بأن تكون جزءًا من أرشيف القدس الثقافي؛

أرشيف يخاصم النسيان، ويُنصف الوجوه التي عبرت الأرض بصمت، تاركة خلفها أثرًا يشبه الوطن



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- **استراتيجية القراءة والكتابة
- يزن… ذلك الجزء من الأم الذي لم يغِب يومًا
- حين تنحرف السياسة عن الإنسان… وتخسر الدول معناها
- تركتُ كلّ شيءٍ خلفي… واتّبعتُ ضميري وقلبي
- يا موت… مهلًا، ألا تتعب؟
- ما نتعلّمه حين نتوقف عن الهرب من الحقيقة
- قصيدة: بيتُ لحم… حين تنهض الأرض بوجوه النساء
- **قراءة نقدية في كتاب «أسلاك كهرباء مكشوفة للريح والمطر» ليا ...
- “سامر… حين اكتشف أن الظلّ ليس قدرًا”
- إيمان خطيب ياسين… امرأة صنعت حضورها بالصدق لا بالمنصب
- حين يحمل الجسدُ الوطن ملحمة إنسانية عن الذين هُجِّروا كي لا ...
- إنسان للإنسان إنسانإنسان للإنسان إنسان
- اسمع مني… إذا بدك تكون محبوب عند “شلل” الأحزاب العربية
- مقال: فلسطين… بين مطر غزة ونار الضفة، والعالم يواصل صمته الم ...
- آدم: موسيقى خرجت من قلبٍ كان يظنّه العالم خطراً
- لا تُقارن نفسك بأحد… لأنّ لكلّ روح طريقها
- فلسطينيو الداخل: وجعٌ يحاور العالم
- الخيط الذي لم ينقطع: قصة فتاة أعادت اختراع معنى النجاة
- وطنٌ يعلّم أبناءه الحلم… ثم يجرّدهم من حقّ الحلم
- طولكرم… مدينةٌ تعلّم القلب كيف يقف دون خوف


المزيد.....




- طارق كفالة… إدارة هادئة في قلب تحولات BBC الكبرى
- حكاية مسجد.. -المنارتين- يجمع العبادة والمعرفة في المدينة ال ...
- وفاة الممثل روبرت كارادين عن عمر يناهز 71 عاماً
- من غزة إلى واشنطن.. ريتشارد فولك يرثي عدالة العالم المحتضر
- السِمفونية الأولى للموسيقار الفنلندي سيبليوس التي رَسَمت مَل ...
- ما بعد -خطيئة حزب الله السورية-.. ساطع نور الدين يستشرف هوي ...
- رابط وخطوات تسجيل استمارة الدبلومات الفنية 2026 عبر موقع وزا ...
- تركي عبيد المري.. صوت السكينة الذي يحتضن قلوب المصلين في قطر ...
- نص سيريالى بعنوان( حَنجرَة تعضُّ ظِلَّها) الشاعر محمد ابوالح ...
- حكاية مسجد يرممه أهالي مدينة -جينيه- في مالي كل عام


المزيد.....

- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - قراءة نقدية موسّعة لرواية “الخطّ الأخضر” بين السرد والذاكرة… حين تكتب الابنةُ سيرة والدها وتاريخ جيل بأكمله