أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مَقَامَةُ لَبَنِ العُصْفُورِ.















المزيد.....

مَقَامَةُ لَبَنِ العُصْفُورِ.


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8525 - 2025 / 11 / 13 - 13:13
المحور: الادب والفن
    


سُؤَالٌ يَجُولُ فِي الفِكْرِ وَتَعْبِيرٌ شَاعَ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ: أَأَمْرٌ غَائِبٌ أَمْ حَقِيقَةٌ تُجَاهَرُ؟ حَقِيقَةٌ أَمْ خَيَالٌ يُسْتَنَارُ؟ مِنْ يَوْمِ كُنَّا صِغَاراً نَسْمَعُ هَذِهِ العِبَارَةَ)) : سَأَجْلِبُ لَكَ لَبَنَ العُصْفُورِ )) , فَهَلْ لِلطَّائِرِ لَبَنٌ يُحْتَلَبُ , أَمْ هُوَ اسْمٌ لِلْمُسْتَحِيلِ يُضْرَبُ ؟ فَقَدْ جَرَى هَذَا التَّعْبِيرُ عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ حِينَ يَقْصِدُونَ الشَّيْءَ المُنْتَحِلَ المُمْتَنِعَ الوُصُولِ, وَقَدْ تَنَاقَلَتْهُ الأَمْثَالُ الشَّعْبِيَّةُ مُتَوَشِّحَةً بِأَلْوَانِ المَعَانِي وَالدَّلالاتِ , فَبَيْنَ ثَنَايَاهَا دَلالَةٌ عَلَى الوُعُودِ الكَاذِبَةِ وَالأَمَانِي غَيْرِ القَابِلَةِ لِلتَّحْقِيقِ , مُزِيجٌ فِيهِ صِدْقٌ بَيْلُوجِيٌّ وَخُرَافَةٌ لُغَوِيَّةٌ.

في قِصَّةُ مُنَازَلَةِ المُحَالِ وَحِيلَةُ النِّسَاءِ , وفِي ظِلالِ حِكَايَةٍ قَدِيمَةٍ , تُسَاقُ لَنَا عِبْرَةٌ قَوِيمَةٌ: غَضِبَ مَلِكٌ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ حَاشِيَتِهِ وَنَزَلَ فِيهِ حُكْمُ المَوْتِ المَبْتُوتِ , لَكِنَّهُ أَوْقَفَ تَنْفِيذَهُ وَاشْتَرَطَ عَلَى الرَّجُلِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهُ بِلَبَنِ العُصْفُورِ فِي غُضُونِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ , وَإِلاَّ نُفِّذَ فِيهِ الحُكْمُ المَحْتُومُ , وَمَا أَرَادَ المَلِكُ مِنْ طَلَبِهِ الغَرِيبِ وَالمُسْتَحِيلِ سِوَى أَنْ يَبْلُغَ بِرَجُلِهِ غَايَةَ التَّوَتُّرِ لِيُهْلِكَهُ غَمّاً , ثُمَّ يَقْضِي عَلَيْهِ سَمّاً , وَإِذْ ضَاقَتِ الدُّنْيَا بِالرَّجُلِ البَائِسِ , عَادَ إِلَى دَارِهِ بِنَفْسِيَّةٍ كَالِحَةٍ وَحَالَةٍ يَرْثَى لَهَا , فَاسْتَقْبَلَتْهُ زَوْجَتُهُ بِوَجْهٍ هَاشٍ بَاشٍ , مُبَشِّرَةً إِيَّاهُ بِحَمْلِهَا بَعْدَ سَبْعِ سَنَوَاتٍ مِنَ الانْتِظَارِ , وَلَمَّا رَأَتْهُ غَارِقاً فِي عُبُوسِهِ , صَاحَتْ بِجَزَعٍ : (( وَيْحَكَ أَيُّهَا الرَّجُلُ , مَاذَا حَدَثَ؟ )) , فَكَشَفَ لَهَا عَنْ حَقِيقَةِ أَمْرِهِ , فَصُعِقَتْ أَوَّلاً , وَلَكِنَّهَا بَعْدَ لَحَظَاتٍ مِنَ التَّفْكِيرِ العَمِيقِ , هَتَفَتْ فَرِحَةً: (( وَجَدْتُهَا )) , فَقَالَتْ بِهُدُوءٍ وَرِوَايَةٍ : (( خُذِ الأَمْرَ بِرَبَاطَةِ جَأْشٍ , وَنَفِّذْ مَا أَقُولُهُ لَكَ عِنْدَ انْتِهَاءِ المُهْلَةِ وَسَتَرَى النَّتِيجَةَ بِنَفْسِكَ )) , وَفِي اليَوْمِ المَوْعُودِ , مَثَلَ الرَّجُلُ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ , فَسَأَلَهُ الوَزِيرُ بِحِدَّةٍ : (( هَلْ جَلَبْتَ لَبَنَ العُصْفُورِ كَمَا أَمَرَكَ جَلالَتُهُ؟ )) , فَأَجَابَ الرَّجُلُ بِهُدُوءٍ بَالِغٍ : (( لِلأَسَفِ , نَحْنُ فِي الشِّتَاءِ , وَتَعْلَمُونَ أَنَّ العَصَافِيرَ تَتَزَاوَجُ فِي الرَّبِيعِ , وَلِذَلِكَ لَمْ أَجِدْ فِي أَثْدَائِهَا حَلِيباً )) , فَصَرَخَ بِهِ الوَزِيرُ غَاضِباً , لَكِنَّ الرَّجُلَ أَوْقَفَهُ وَهَتَفَ : (( وَيْحَكَ أَيُّهَا الوَزِيرُ, طَالَمَا أَمَرَنِي جَلالَةُ المَلِكِ أَنْ أُحْضِرَ لَبَنَ عُصْفُورٍ , فَيَجِبُ أَنْ نُصَدِّقَ جَمِيعاً بِذَلِكَ , وَلاَ أُحِبُّ أَنْ أَمُوتَ وَأَنَا أُكَذِّبُ جَلالَتَهُ)) , فَضَحِكَ المَلِكُ وَعَفَا عَنْهُ.

ولبَيَانُ الحَقِيقَةِ العِلْمِيَّةِ وَفَصْلُ القَضِيَّةِ , عَوْدٌ إِلَى العِلْمِ لِنَزَعِ الرُّمُوزِ, وَاسْتِخْلاصِ المَعْنَى لِكَيْ لا نَحُوزَ: أَمَّا مِنْ نَاحِيَةِ البَيْلُوجِيَا , فَإِنَّ العَصَافِيرَ , كَمِثْلِ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الطُّيُورِ , لاَ تَمْتَلِكُ الغُدَدَ الثَّدْيِيَّةَ الَّتِي تُنْتِجُ الحَلِيبَ , لِأَنَّهَا مِنْ فِئَةِ البَيْوضِيَّاتِ الَّتِي تَتَكَاثَرُ بِوَضْعِ البَيْضِ , وَعَلَى ذَلِكَ , فَإِنَّ فَكْرَةَ حُصُولِ الإِنْسَانِ عَلَى لَبَنِ العُصْفُورِ أَمْرٌ مُسْتَحِيلٌ بَيْلُوجِيّاً كَمَا شَاعَ بَيْنَ الأَنَامِ , لَكِنَّ التَّقْرِيرَ العِلْمِيَّ يَقُولُ قَوْلاً عَظِيمًا : لِلْعُصْفُورِ لَبَناً كَمَا لِغَيْرِهِ مِنَ الطُّيُورِ, لاَ يَخْتَلِفُ فِي تَرْكِيبِهِ الكِيمْيَائِيِّ عَنْ لَبَنِ أَيِّ حَيَوَانٍ آخَرَ, فَهُوَ يَحْتَوِي عَلَى مَادَّةٍ بْرُوتِينِيَّةٍ وَدُهْنٍ وَسُكَّرِ اللاَّكْتُوزِ, لَكِنَّهُ لَيْسَ بِسَائِلٍ , بَلْ هُوَ عَلَى هَيْئَةِ فُتَاتٍ أَبْيَضَ هَشٍّ سَرِيعِ التَّكَسُّرِ, أَشْبَهَ مَا يَكُونُ بِفُتَاتِ الجُبْنِ الأَبْيَضِ, وَفِي زَمَنِ حَضَانَةِ البَيْضِ , تَتَحَوَّرُ نُسُجُ حُوَيْصَلَةِ الطَّائِرِ لِتُفْرِزَ هَذِهِ المَادَّةَ , وَيُفْرِزُهَا كِلاَ الذَّكَرَيْنِ وَالأُنْثَيَيْنِ لِيَشْتَرِكَا فِي إِطْعَامِ صِغَارِهِمَا , وَلَعَلَّنَا جَمِيعاً رَأَيْنَا كَيْفَ تَضَعُ العُصْفُورَةُ مِنْقَارَهَا فِي فَمِ فِرَاخِهَا , مُعْتَقِدِينَ أَنَّهَا تُطْعِمُهُمْ حَبَّةَ شَعِيرٍ أَوْ قَمْحٍ , وَلَكِنَّهَا فِي الوَاقِعِ تُطْعِمُهُمْ لَبَناً حَقِيقِيّاً يَتَكَوَّنُ فِي الحُوَيْصَلَةِ , ثُمَّ يَتِمُّ اسْتِرْجَاعُهُ إِلَى الفَمِ وَمِنْهُ إِلَى الفِرَاخِ , إِذَنْ , لَبَنُ العُصْفُورِ حَقِيقَةٌ وَلَيْسَتْ خُرَافَةً , وَهُوَ مَادَّةٌ نَادِرَةٌ مُؤَقَّتَةٌ لِتَغْذِيَةِ الصِّغَارِ, كَمَا يَحْدُثُ لَدَى الحَمَامِ وَطَائِرِ النَّحَامِ.

وَفِي خِتَامِ القَوْلِ , نُدْرِكُ أَنَّ لَبَنَ العُصْفُورِ: هُوَ مُصْطَلَحٌ مَجَازِيٌّ فِي الأَصْلِ , ارْتَبَطَ بِمَعْنَى تَحْقِيقِ المُسْتَحِيلِ لِصُعُوبَةِ الحُصُولِ عَلَى تِلْكَ المَادَّةِ الغِذَائِيَّةِ العَاجِلَةِ وَنُدْرَةِ وُجُودِهَا خَارِجَ فَمِ الطَّائِرِ الصَّغِيرِ, وَهَذِهِ الحِكَايَةُ وَجَدْنَا فِي ثَنَايَاهَا خَيْرَ إِجَابَةٍ شَافِيَةٍ وَوَافِيَةٍ عَلَى الخَرِيفِ الَّذِي يُخَيِّمُ حَالِيّاً عَلَى رُؤَسَاءِ العَرَبِ , وَلِمَاذَا ثَارَتْ شُعُوبُ دُوَلٍ عَرَبِيَّةٍ فِي وَجْهِهِمْ , إِذْ لَطَالَمَا اسْتَخَفَّ هَؤُلاَءِ الرُّؤَسَاءُ المُسْتَبِدُّونَ بِشُعُوبِهِمْ وَعَامَلُوهُمْ مُعَامَلَةَ الأَرِقَّاءِ وَالعَبِيدِ , وَكَانُوا يُحَبِّذُونَ دَوْماً أَنْ يُحِيطُوا أَنْفُسَهُمْ بِهَالَةٍ بَرَّاقَةٍ مِنْ أَنَّهُمْ حَالاَتٌ اسْتِثْنَائِيَّةٌ , لَقَدْ كَانُوا يَطْلُبُونَ مِنْ شُعُوبِهِمْ لَبَنَ العُصْفُورِ , فَجَاءَ اليَوْمُ الَّذِي يَدْفَعُونَ فِيهِ ثَمَنَ مُطَالَبَتِهِمُ السَّمِجَةِ هَذِهِ، وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الأنتخابات .
- مقامة لمحات من ذلك الزمان : أحداث ورجاء .
- مقامة الخبب : في رحلة العمر والأدب .
- مقامة القيمر الأسمر.
- مقامة الفلْس الدّوّانِقِي : نوادر البخلاء ومآثرهم .
- مقامةُ الأفندي تحسين في بَتانِ بغدادَ وبَطِّها .
- الغطرسة : الداء والجلاء .
- مقامة العبارة الضيقة : ما أوسع رؤيتها ؟
- مَقَامَةُ الْأَحْفَادِ وَمَتَاعِبِ الْأَجْدَادِ .
- مقامة شذرات من السيرة الذاتية .
- مقامة نجاة الصغيرة : ( الضوء المسموع ) , وهمسٌ يغوص في أعماق ...
- المقامة البغدادية في تَلَوُّنِ الأوطانِ وبكاءِ الأحياءِ .
- مقامة أللاأنجابية : في زمن الروبوتات والمنتحرين .
- مقامة الهدم: جرافات تهاجم ذاكرة العراق الثقافية .
- مقامة ابن باديس والتنوير: الأذهان أولاً , ثم الأوطان .
- مقامة الفصام .
- مقامة العطارين : أسرار عمرها 4600 عام .
- مَقَامَةُ حِكَايَاتِ النَّمْلِ .
- مقامةُ الرجاءِ في زمنِ الحيْصَ بيْص .
- مقامة السلطة والفكر .


المزيد.....




- جائزة دولية مرموقة للفنان العراقي ضياء العزاوي
- قبل كورونا وبعدها: كيف تغير مزاج جمهور السينما؟
- شولة.. حكاية ريشة يابانية أبهرتها الفنون الإسلامية
- الفنان سمير جبران: الموسيقى هي السلاح الأجمل لحماية الهوية ا ...
- سمير جبران: الموسيقى سلاحنا الأجمل لحماية هويتنا الفلسطينية ...
- كتاب -بعد الهمجية-: غزة هي -كاشفة الحقيقة- التي فضحت عرقية ا ...
- كائن فضائي ورديّ اللون أضافه فنان إلى لوحاته يُشعل الإنترنت. ...
- سفير فلسطين لدى لبنان يعزّي الفنانة فيروز بوفاة نجلها
- فيديو.. ضربة قاضية مزدوجة تنهي نزالا للفنون القتالية المختلط ...
- عباس بيضون للجزيرة نت: لستُ القارئ المنشود لشعري.. والكتابة ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مَقَامَةُ لَبَنِ العُصْفُورِ.