أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الخبب : في رحلة العمر والأدب .














المزيد.....

مقامة الخبب : في رحلة العمر والأدب .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8523 - 2025 / 11 / 11 - 19:36
المحور: الادب والفن
    


حدَّثنا أبو العَجَبِ , يوماً وقد استوى على أريكة المنى , يستمعُ إلى لحنٍ شرقيٍّ يَهزُّ القلوبَ , ويُحَرِّكُ الوجدانَ , فقال : يا صاحبي , واللهِ لقد جَرَتْ بي خواطري في وادٍ فسيحٍ , حين استمعتُ إلى مقامِ (( أورفه )) , وقد افتتحهُ خالدُ السامرائيُّ بالبيتِ الذي قَطَعَ أنفاسَ المَسامِعِ : (( يا نَبعَةَ الحُبِّ زِيدي رِقَّةً وصَبَا... فالعُمرُ أوشَكَ أن يَمضي بِنا خَبَبَا )) , فما أن سَمِعتُها حتى انتفضتْ في نفسي معانٍ , وتدافعتْ صورٌ من سَنَنِ اللغةِ وعجائبِ الأدبِ , وقلتُ في نفسي: يا للهِ , كم حَمَلَتْ هذه الخبب من دلالاتٍ , وما أوسعَ مسافتها ما بين مرْكَضِ الجيادِ وبحرِ القصائدِ .

أليس الخببُ , يا سادةَ البيانِ , ضَرْبٌ من عَدْوِ الخيلِ؟ ذلك العدوُّ الذي يُراوِحُ فيه الجوادُ بين قَوائمهِ على مَضَضٍ وسُرعةٍ , يقفِزُ على زوجٍ ويَلحَقُهُ بالآخَرِ, كأنَّهُ يَهيئُ روحَهُ للانطلاقِ الأعظمِ , إنَّها مِشيةٌ مُتَقَطِّعةٌ سريعةٌ , لا تسمعُ لها إلا ضَرْبَتَينِ على الأرضِ في كلِّ دَورةٍ , فالعمرُ إذَنْ , سائرٌ بنا على خببٍ , لا يدري مُنتهَاهُ , يَستَعجِلُ خُطاهُ نحو المَصيرِ المَعلومِ .

ثم عَطَفْتُ الخاطرَ إلى عالمِ الأوزانِ , لأجدَ الخَبَبَ وقد صار بَحراً من بحورِ الشِعرِ, بحرٌ خفيفٌ رَشيقٌ , يسميهِ العَروضيونَ المُتدارَكَ , من تفعيلاتِ (( فَعِلُن فعِلُن)) أو (( فاعِلُن فاعِلُن )) , تَرِفُّ له القلوبُ وتَطربُ له الأسماعُ , فالمُتنبّي , سيدُ فرسانِ الشعرِ, قد جَرى على خببِهِ حين قال : (( لو كانَ يَدري مَا المِنَّةُ الهَبَاءُ لأَصْخَبَتْ فِي الأَذَانِ صَوتُهُ لِخُبَبٍ )) , وألا ترى أنَّ المُوشَّحاتِ , تلك التي ترقصُ لها القوافي , كثيراً ما سارَتْ على إيقاعِهِ , كقولِ الحُصريِّ القيروانيِّ : (( يا ليلُ الصبِّ متى غدهُ... أقيامُ الساعةِ مَوعدهُ )) , لقد صارَتْ الخببُ هَيئةً للصوتِ , ووَزْناً للقصيدِ , ودَلالةً على السرعةِ والرِّقَّةِ .

وفي غمرةِ سَيْلِ الخواطرِ, ذَكَرْتُ خبباً أخرى... ألا وهي ضَيعَةٌ في الشامِ , بين صُخورِ اللجاةِ الوعِرةِ , ما سُمِّيَتْ (( خبباً )) , إلا لأنَّ الخيلَ لا تستطيعُ أن تَجتازَ مَسالكَها الوعِرةَ إلا بهذا الجَرْيِ الخفيفِ المُتهَيِّئِ, فالاسمُ هُنا ارتبطَ بالموقعِ , وناجى تاريخاً عتيقاً , إذ كان اسمها القديمُ (( أبيبا )) , أي (( مَرْجُ السنابلِ الخضراءِ )) باليونانيةِ , فمن مرجِ الخضرةِ إلى طريقِ الخَبَبِ , ما أعظمَ تقلُّبَ الأسماءِ على ألسنةِ الأممِ .

ولمَّا استراح أبو العجب من غمرةِ هذا الاستقراءِ اللغويِّ العميقِ , وقد أخذتْ منه الخببُ مأخذاً في كلِّ وادٍ , التفتَ إليَّ بعينين لامعتينِ كنجومِ ليلٍ خَبَبَ به السَّحابُ , وقال: (( أيْ صاحبي , إنَّ الخببَ ليستْ حركةً في الخارجِ فحسب , بل هي حركةُ النَّفسِ حين تتدافَعُ فيها المعاني وتتوالَى , حركةٌ لا تهدأُ ولا تستكينُ , كخَطواتِ الخيلِ في عدوها المتتابعِ , أليسَ النومُ نفسه في أوَّلِهِ , قبلَ أن يستغرِقَ صاحبهُ , خَبَباً من اليقظةِ إلى الحُلْمِ؟ ترى فيه الأفكارَ تَمُرُّ سريعةً , صوراً غيرَ مكتملةٍ , وأحداثاً مُقتضَبةً , كأنَّها تفعيلاتُ بحرِ المُتداركِ التي لا يكادُ اللَّحْنُ يستوي فيها حتَّى يبدأَ لحناً آخراً , إنَّ الخببَ في سَيرِ الخواطرِ, هي تلكَ السَّرعةُ الرَّشيقةُ التي تجعَلُ العقلَ يقفزُ من معنىً إلى معنىً , ويَربِطُ دلالةً بأخرى , في رحلةٍ لا تتوقَّفُ إلَّا بمنتهى اليقظةِ أو بلوغِ الغفوةِ الكبرى , فالعمرُ خببٌ في مسارِهِ , والقصيدةُ خببٌ في إيقاعِها , والنَّفسُ خببٌ في حركتها الدائمةِ بين عوالمِها , فما أبلغَهُ من إدراكٍ , وما أوسعَهُ من مَدارِك .

لكنْ , يا ويحَ قلبي , إنَّ الخببَ قد وردتْ في معنىً آخَرَ , فيه من الوَبَالِ ما فيه , ألا وهو الحديثُ الشريفُ : (( ليس منا من خَبَّبَ امرأةً على زوجها , أو عبداً على سيده )) , فصارَتْ الخببُ هنا إفساداً , وإغراءً بالطلاقِ , وتخريباً للبيوتِ العامرةِ, فما أشَدَّ هذا التناقضَ بين خببِ الشعرِ الرشيقِ , وخببِ الفسادِ الذي عَدهُ أهلُ العِلمِ من كبائرِ الذنوبِ ,فعجباً لهذا اللفظِ الواحدِ , كيف جَمَعَ في طيَّاتهِ :
1. خببُ الجَوادِ: عدْوٌ خفيفٌ مُتَوَاَتِرٌ.
2. خببُ العمرِ: سَيرٌ مُستَعجِلٌ نحو المَصيرِ.
3. خببُ الشِعرِ: بحرٌ موسيقيٌّ سريعٌ.
4. خببُ المكانِ: اسمُ قريةٍ لِوَعُورةِ مَمرِّها.
5. خببُ الفسادِ: إفسادُ المرأةِ على زوجها .
فيا أيُّها النبيلُ , سَلِ اللهَ أن تكونَ حياتُكَ من خببِ الشِعرِ وخببِ الجَوادِ في سَعيِها , وأن يُطَهِّرَ دُنياكَ من خببِ الإفسادِ , إنهُ سميعُ الدعاءِ , والحمدُ للهِ الذي بفضلهِ تتمُّ الصالحاتُ.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة القيمر الأسمر.
- مقامة الفلْس الدّوّانِقِي : نوادر البخلاء ومآثرهم .
- مقامةُ الأفندي تحسين في بَتانِ بغدادَ وبَطِّها .
- الغطرسة : الداء والجلاء .
- مقامة العبارة الضيقة : ما أوسع رؤيتها ؟
- مَقَامَةُ الْأَحْفَادِ وَمَتَاعِبِ الْأَجْدَادِ .
- مقامة شذرات من السيرة الذاتية .
- مقامة نجاة الصغيرة : ( الضوء المسموع ) , وهمسٌ يغوص في أعماق ...
- المقامة البغدادية في تَلَوُّنِ الأوطانِ وبكاءِ الأحياءِ .
- مقامة أللاأنجابية : في زمن الروبوتات والمنتحرين .
- مقامة الهدم: جرافات تهاجم ذاكرة العراق الثقافية .
- مقامة ابن باديس والتنوير: الأذهان أولاً , ثم الأوطان .
- مقامة الفصام .
- مقامة العطارين : أسرار عمرها 4600 عام .
- مَقَامَةُ حِكَايَاتِ النَّمْلِ .
- مقامةُ الرجاءِ في زمنِ الحيْصَ بيْص .
- مقامة السلطة والفكر .
- مقامة غادة وغسان : حقيقة الحب ووهم الوصال .
- مقامة اكسير الشباب .
- مقامةُ الشَّيخِ في ذمِّ الرَّشوةِ وتزيينِها بالهديَّة .


المزيد.....




- مسؤول يمني: اليونسكو أوفد بعثة للتحقيق في الانتهاكات التي تع ...
- تركي آل الشيخ يشارك -أجواءًا طربية- من حفل أنغام في رأس السن ...
- من الاحتفال إلى -فيلم رعب-.. تفاصيل حريق مروع في سويسرا
- ترامب ينتقد منح باريس الممثل الأمريكي جورج كلوني الجنسية الف ...
- سيدرا التركية.. مدينة سكنت بها معاصر الزيتون في كل بيت
- المخرج والمنتج كمال الجعفري: فيلمي -مع حسن في غزة- يستخدم ال ...
- لعبة -أحلام على وسادة-.. حين تروى النكبة بلغة الفن والتقنية ...
- مخرج فلسطيني يوثق غزة بالذاكرة البصرية: السينما مقاومة للنسي ...
- -تسويق إسرائيل-.. كتاب يكشف دور الهاسبارا في -غسيل الدماغ- ...
- أولو وترينشين: عاصمتا الثقافة الأوروبية لعام 2026


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة الخبب : في رحلة العمر والأدب .