صباح حزمي الزهيري
الحوار المتمدن-العدد: 8517 - 2025 / 11 / 5 - 11:55
المحور:
الادب والفن
مَقَامَةُ الْأَحْفَادِ وَمَتَاعِبِ الْأَجْدَادِ :
قَالَ الشَّيْخُ الضَّرِيرُ , المُكَنَّى بِأَبِي الْبَقَاءِ , وَكَانَ قَدْ جَلَسَ فِي مَجْمَعٍ عَامِرٍ, وَقَدْ تَرَبَّعَ عَلَى دِكَّةٍ , وَأَطَلَّ عَلَى سَامِعِيهِ بِهَيْبَةِ التَّجْرِبَةِ وَوَقَارِ السِّنِّ , فَابْتَدَأَ حَدِيثَهُ مُسْتَهِلّاً بِقَوْلٍ مَأْثُورٍ قَدِيمٍ : يَا سَادَاتِي وَأَحِبَّتِي , يَا مَنْ عُمِّرَتْ بِكُمْ الدُّنْيَا , وَبُورِكَتْ بِكُمْ الْمَنَازِلُ , حَدِيثُنَا الْيَوْمَ عَنْ سِرَاجِ الْبُيُوتِ , وَفُلْذَةِ الْأَكْبَادِ , وَزَهْرَةِ الْحَيَاةِ الْمُمْتَدَّةِ , فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِمَثَلٍ جَارٍ عَلَى كُلِّ لِسَانٍ , مُتَقَارِبِ اللَّفْظِ فِي كُلِّ الْأَقْطَارِ: (( إِنَّهُ لَا أَعَزَّ مِنَ الْوَلَدِ عَلَى قَلْبِ أَهْلِهِ وَذَوِيهِ إِلَّا وَلَدَ الْوَلَدِ؟ )) أَجَلْ , وَالْحَقُّ مَا قَالُوا .
إِنَّهُمْ يَا سَادَةُ زَهْرٌ جَمِيلٌ نَلْمَحُهُ بِبَصِيرَةِ الْقَلْبِ , وَرَيْحَانٌ طَيِّبٌ نَشُمُّ شَذَاهُ وَإِنْ غَابَ عَنَّا , فُؤَادُ الشَّيْخِ يَطِيرُ فَرَحاً بَهِمْ مُنْذُ الْبِشَارَةِ بِمَقْدَمِهِمْ أَجِنَّةً فِي أَرْحَامِ أُمَّهَاتِهِمْ , وَيَفُوحُ عِطْرُهُمْ مِسْكاً وَعَنْبَراً مُنْذُ أَوَّلِ حِضْنٍ يَضُمُّهُمْ فِيهِ الْجَدُّ إِلَيْهِ , فَهُمْ وَاللَّهِ الْحَيَاةُ الَّتِي تَتَجَدَّدُ فِي عُرُوقِ الْكَهْلِ , وَالْعُمُرُ الَّذِي يَمْتَدُّ , وَالذِّكْرُ الْجَمِيلُ , وَالْأَثَرُ الصَّالِحُ الْبَاقِي , بِهِمْ تَحْلُو الْحَيَاةُ وَتَبْتَهِجُ النُّفُوسُ , وَيَعِيشُ الْمَرْءُ لَحَظَاتٍ لَا تُنْسَى , نُخْرِجُ لَهُمْ مِنْ مَكْنُونِ حُبِّنَا مَا يُبْهِجُهُمْ , وَنَهَبُهُمْ مِنْ خُلَاصَةِ فِكْرِنَا وَزُبْدَةِ تَرْبِيَتِنَا مَا يُصْلِحُهُمْ .
وَلِعَمْرِي , فَقَدْ صَدَقَ الْقَائِلُ مِنْ أَهْلِ الْغَرْبِ حِينَ قَالَ: يَجِبُ أَلَّا نَنْسَى أَنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ الْمُهِمِّ لِأَحْفَادِنَا أَنْ يَكُونُوا مُزْدَهِرِينَ فِي وَقْتِهِمْ كَمَا هُوَ مُهِمٌّ بِالنِّسْبَةِ لَنَا أَنْ نَكُونَ مُزْدَهِرِينَ فِي عَصْرِنَا . فَذَاكَ أَمَلٌ تُدْرِكُهُ الْعَيْنُ الْبَاطِنَةُ بَعْدَ إِدْرَاكِ الْمُنَى , فَيَكُونُ قُرَّةَ عَيْنٍ , إِنَّ الْحَفِيدَ هُوَ الْمِرْآةُ الَّتِي يَرَى فِيهَا الْجَدُّ صُورَتَهُ , وَكَمْ يَرْغَبُ الْجَدُّ فِي أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الصُّورَةُ أَجْمَلَ وَأَسْمَى مِمَّا كَانَ هُوَ عَلَيْهِ قَبْلَ عَشَرَاتِ السِّنِينَ , ذَاكَ وَاللَّهِ الْحُبُّ الَّذِي لَا يَفْتُرُ وَلَا يَزُولُ , الْحُبُّ الْفِطْرِيُّ الَّذِي أَلْقَاهُ الْلَّهُ بَيْنَ الْأَحْفَادِ وَالْأَجْدَادِ , يَغْسِلُ الْقُلُوبَ بِالنَّدَى , وَتُشْرِقُ فِيهِ شُمُوسُ الْمَوَدَّةِ عَلَى كُلِّ الْأَرْضِ.
ثُمَّ تَمَثَّلَ الشَّيْخُ بِآيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ الْكَرِيمِ وَقَالَ : هُمْ لِلْإِنْسَانِ زِيَادَةٌ فِي مَسَرَّةِ الْعَائِلَةِ , أَمَا سَمِعْتُمْ قَوْلَهُ تَعَالَى : (( فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ )) هود: 71, وَهُمْ وَاللَّهِ زَهْرَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا , بِهِمْ الْفَخْرُ وَالْقُوَّةُ وَالْمُسَاعَدَةُ لَدَى الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ , وَكُلُّ مَا يُقَالُ فِي مَحَبَّتِهِمْ هُوَ نَاقِصٌ , إِذْ لَا تَرْتَقِي عِبَارَةٌ إِلَى الْحُبِّ الَّذِي يَحْمِلُهُ الْجَدُّ لِأَبْنَاءِ رُوحِهِ , فَهُمْ مَفَاتِيحُ قَلْبِهِ , يَعِيشُ لِيُسْعِدَهُمْ وَيَبْنِي لِيَفْرَحُوا , كُلُّ حَفِيدٍ هُوَ نِعْمَةٌ , قَمَرٌ يُضِيءُ الْبَيْتَ وَيَبُثُّ فِيهِ الدِّفْءَ وَالسُّرُورَ , وَكُلَّمَا زَادَ عَدَدُهُمْ , ازْدَادَتْ سَعَادَةُ الْجَدِّ وَالْجَدَّةِ.
فِي نَظَرِ الْجَدِّ وَالْجَدَّةِ , الْحَفِيدُ أَهَمُّ شَخْصٍ فِي الْعَالَمِ , يَثِقَانِ بِهِ وَيُشْعِرَانِهِ بِالْأَمَانِ , وَيُعَزِّزَانِ احْتِرَامَهُ لِذَاتِهِ , يَمْنَحَانِهِ أَجْنِحَةً لِيَحْلُمَ , وَيُوَجِّهَانِهِ نَحْوَ تَحْقِيقِ حُلْمِهِ , وَهَاكُمْ شِعْرٌ يُصَوِّرُ حَالَهُ حَالَ رُؤْيَتِهِ لِجَدِّهِ : (( وَإِنْ رَآنِي مُقْبِلًا , رَفْرَفَ زَنْدَيْهِ وَمَدْ , وَلَمْ يَزَلْ مُزَقْزِقاً , كَأَنَّهُ طَيْرٌ غَرِدْ , بَيْنَا تَرَاهُ وَادِعاً , إِذَا بِهِ ظَبْيٌ شَرَدْ )) , إِنَّ الشَّخْصِيَّةَ الْقَوِيَّةَ لِلْجَدِّ تُؤَثِّرُ فِي الْأَحْفَادِ لِأَجْيَالٍ , فَلْنكُنْ نَحْنُ الْأَسْلَافَ الَّذِينَ سَيَشْكُرُنَا أَحْفَادُنَا , وَصَدَقُوا حِينَ قَالُوا: السَّعَادَةُ الْمِثَالِيَّةُ هِيَ ضَحْكَةُ الْحَفِيدِ , فَالْفَرَحُ يَأْتِي فِي رَشَفَاتٍ لَا فِي جُرْعَاتٍ , وَلَا عَجَبَ أَنْ يُسَاعِدَ الْأَجْدَادُ عَلَى تَنْمِيَةِ مَوَاهِبِ الْأَحْفَادِ وَتَعْزِيزِ مَلَكَةِ الْإِبْدَاعِ لَدَيْهِمْ , فَفِيهِمْ الْكَارِيزْمَا وَالْعَاطِفَةُ الْجَيَّاشَةُ وَالصَّبْرُ الَّذِي يُعِينُ عَلَى التَّطَوُّرِ وَالنُّمُوِّ.
ثُمَّ تَذَكَّرَ الشَّيْخُ خِلَافَ الْفُقَهَاءِ فِي النَّسَبِ فَقَالَ مُتَمَثِّلاً بِبَيْتٍ لِلْفَرَزْدَقِ : أَيُّهَا النَّاسُ , لَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ الْقَوْلُ الشَّائِعُ : (( بَنُو الْأَبْنَاءِ كَالْأَبْنَاءِ , أَمَّا أَبْنَاءُ الْبَنَاتِ فَهُمْ غُرَبَاءُ )) , وَهَا هُوَ الْفَرَزْدَقُ الْشَّاعِرُ يَقُولُ فِي سِجَالٍ لَهُ مَعَ الْجَهْمِيَّةِ: (( بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبَنَاتِنَا بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الْأَبَاعِدِ )) , وَلَكِنْ , لِي وَجْهَةُ نَظَرٍ أُخْرَى , إِنَّ الْجَدَّ وَالْجَدَّةَ لَهُمَا مَكَانَةٌ خَاصَّةٌ فِي حَيَاةِ الْأَطْفَالِ , فَهُمَا الْمَلَاذُ الْحَانِي إِذَا قَسَا عَلَيْهِمْ الْآبَاءُ , وَصَمَّامُ الْأَمَانِ وَالْأُنْسِ , وَهُمَا يُعْطِيَانِ الْحَفِيدَ أَجْنَاحَ الْأَمَانِ الْعَاطِفِيِّ وَالْحِمَايَةِ , فَيَتَّكِئُ عَلَيْهِمَا , وَلَا نُنْكِرُ أَنَّ هَذِهِ الْعَلَاقَةَ قَدْ لَا تَخْلُو مِنْ مُنَاوَشَاتٍ , خُصُوصاً فِي (( صِرَاعِ الْأَجْيَالِ )) وَاخْتِلَافِ الطِّبَاعِ , وَهَذَا مَا يُورِثُ الْخِلَافَ بَيْنَ الْأَجْدَادِ وَالْوَالِدَيْنِ , فَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّ الْتَدْخُلَ فِي التَّرْبِيَةِ مَصْدَرُ إِزْعَاجٍ لِلْوَالِدَيْنِ بِسَبَبِ التَّدْلِيلِ الزَّائِدِ وَالتَّجَاوُزِ عَنْ الْأَخْطَاءِ , وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى الْأَحْفَادَ قِطْعَةً مِنْ كَبِدِ الْأَجْدَادِ وَحَصَادَ الْعُمْرِ, وَأَنَّ عَلَى الْآبَاءِ إِعْطَاءَ الْأَجْدَادِ حَقَّ الْمُشَارَكَةِ فِي التَّرْبِيَةِ , وَهَذَا يُفْضِي إِلَى مُشَاحَنَاتٍ بَيْنَهُمْ , فَالْجَدُّ لَا يَقْبَلُ أَنْ يُضْرَبَ حَفِيدُهُ أَمَامَهُ , وَالْجَدَّةُ تَعْتَبِرُ أَنَّ لِلْأَجْدَادِ خِبْرَةً بِطُرُقِ التَّرْبِيَةِ يَجِبُ الِاتِّفَاقُ عَلَيْهَا.
وَهَاكُمْ نَظْرَةٌ حَكِيمَةٌ لِمَا يَجْرِي, فَقَدْ قَالَتْ إِحْدَى الْعَارِفَاتِ بِأُصُولِ الْأُسَرِ: إِنَّ الْأَبَ وَالْأُمَّ يَعِيشَانِ الْأُبُوَّةَ وَالْأُمُومَةَ مَعَ أَوْلَادِهِمَا بِحُلْوِهَا وَمُرِّهَا , لَكِنَّ الْجَدَّيْنِ يَعِيشَانِ الْأُبُوَّةَ وَالْأُمُومَةَ الْمُتَأَخِّرَةَ فِي حُلْوِهَا فَقَطْ , وَيَتْرُكَانِ الْجَانِبَ الْمُرَّ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ , لِذَلِكَ يَرَى الْأَجْدَادُ فِي الْأَحْفَادِ امْتِدَاداً لِسُلَالَتِهِمْ وَمَصْدَرَ فَخْرٍ, وَهُمْ يَرَوْنَ فِيهِمْ الْحُضْنَ الَّذِي يُعْطِيهِمْ الْأَمَانَ وَالِانْتِمَاءَ , فَيَا سَادَةُ , إِنَّ وُجُودَ الْجَدِّ وَالْجَدَّةِ عُنْصُرٌ إِيجَابِيٌّ فِي حَيَاةِ الْأَحْفَادِ , يَسْتَفِيدُونَ مِنْ خِبْرَتِهِمَا وَعَطْفِهِمَا , وَيُسْهِمَانِ فِي تَكْوِينِ شَخْصِيَّتِهِمْ , فَلْنَلْتَمِسْ لَهُمْ الْعُذْرَ فِي تَدْلِيلِهِمْ الْزَّائِدِ , فَهُوَ وَاللَّهِ مَنْبَعُ حُبٍّ لَا يَنْضُبُ.
وَبَعْدَ أَنْ أَفَاضَ الشَّيْخُ فِي مَقَامَتِهِ , خَتَمَ حَدِيثَهُ مُسْتَوْدِعاً السَّامِعِينَ فِي رِعَايَةِ اللَّهِ وَقَائِلاً : اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي أَحْفَادِنَا , وَاجْعَلْهُمْ قُرَّةَ أَعْيُنِنَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ , وَاجْمَعْنَا وَإِيَّاهُمْ عَلَى خَيْرٍ , وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.
صباح الزهيري .
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟