أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - صباح حزمي الزهيري - مقامة لعّابة الصبر : العراق و سَوْط حقيقة الحكايات الصارخ .














المزيد.....

مقامة لعّابة الصبر : العراق و سَوْط حقيقة الحكايات الصارخ .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8501 - 2025 / 10 / 20 - 12:41
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


روى حادي الرُّكبان , عليّ بن حميد الغالي , عن زمانٍ كان فيه الكفاح أَلَفْ ألف صراع , واليَقِينُ فيه أنَّ بعد الشدَّة فرجٌ يُضاء , قال: أيها الناس , أنا عليويٌّ , ابن الخمسينات , من (( المَيزرة )) إلى (( الثورة )) , ما بَنى أهلي بيتاً إلا وكان حجرُه صبراً , وما لبسنا ثوباً إلا كانت خيوطُه جُوعاً وضَرَرَا , كافحنا الفقرَ والطوفان , ثمّ التحقتُ بخدمةِ العَلَمِ , فما رأيتُه إلَّا على تُوابيتَ تحملُ قوافلَ الشهداء , ظننتُ أنَّ مفتاحَ الفرجِ لن يتعدَّى عملاً شريفاً وابنةَ حلال , فتزوَّجتُ (( بدرية )) بلا مهرٍ , وصِرتُ حمّالاً في الشورجة , وصوتُ (( القناعة كنزٌ لا يَفنى )) يغشِّي أذني , ولكنّ الفرجَ لم يأتِ , بل جاءَ الغزوُ فجأةً , كزواجِ الأبِ القاسي .

رُويَ عن أهل الحكايات قصةُ فتاةٍ رقيقةٍ تُدعى لعّابةَ الصبرِ , عاشتْ تحتَ سَوطِ زوجِ أبٍ لَعُوبٍ قاسِيَةٍ , أذاقتْها ألوانَ العذابِ والذلِّ والهوان , لم يصدِّق الأبُ الشكوى , بل غابَ مُحرِماً , وعادَ بهديةٍ قاتلة: لعّابةُ الصبر, وهكذا نحنُ يا قومي , صبرْنا على الاحتلال , ثمّ على الخرابِ والتبليطِ الذي رفعَ الدربونةَ حتّى صارتْ مياهُ المجاري تُغرِقُنا في (( الهول )) , ثمّ صبرنا على راتبِ الرعايةِ الذي ما عادَ يكفي ثمناً لقِنّينةِ زيت , قالَ عليويٌّ وهو يتوجَّع : يا لُعّابةَ الصبر, أنتِ صبرٌ وأنا صبر , جَمْ دوب (كم مرة) قلبُنا يصطبر؟ وهنا , تبرزُ لعّابةُ الصبرِ الأولى , إنَّها الحقيقةُ التي لا تُحتَمل , فما أن حكتْ البنتُ حكايتَها , حتّى غضبتْ اللُّعبةُ وأخرجتْ خنجراً وقتلتْها, ألا ترمزُ هذه اللُّعبةُ إلى أنَّ الحقيقةَ الصارخةَ حين تُعلن , قد تكونُ القاتلَ الأخيرَ للقلوبِ المُنكَبِتَةِ , وأنَّ الصمتَ قد غدا أسلمَ من الشكوى؟

ولقد أدركتُ أنَّ الخرابَ لم يكنْ في الأسفلتِ والبيوتِ فحسب , بل في الأرواحِ أيضاً , ففي خضمِّ اليأسِ والبؤسِ , وجدتُ نفسي وحيداً عارياً وجائعاً , إلا من أسمالٍ بالية , لقد تَبخَّرَ يقيني , وغادرني حُلمُ الفرجِ , ولم يبقَ لي شاغلٌ أخيرٌ إلا أن يُشَيِّعني أبنائي الذين هربوا من فقري ليُؤثِّثوا فقرَهم الخاصَّ في ديارِ الغُربةِ أو منافي الوطن, ألا يُشبهُ هذا الضياعُ ضياعَ (( سمرة )) في الصحراءِ , حينَ تاهتْ ولم تجدْ حولَها سوى سُورٍ عالٍ ومنزلٍ يحوي مَيتاً مُشَوَّكاً ؟ فكأنَّ الوطنَ بعد الغزوِ صارَ بيتاً بسورٍعالٍ , يصعبُ الدخولُ إليه أو الخروجُ منه بسلامٍ , ولا يحيطُ به إلا القهرُ والموتُ المُمَثَّلُ في ملايينِ الإبر, فهلْ كانَ هذا الغزوُ إلّا سحراً جديداً ؟

لقد ماتَ صبرُنا قتيلاً لليقين , ويا لَلعجبِ, رُويتْ حكايةُ (( سمرة )) أخرى , وهي رمزُ الشخصيّةِ الوطنيّةِ المخلصةِ , التي قضتْ سَبْعَ سنواتٍ تنزعُ الأشواكَ من جسدِ وطنٍ ممدَّدٍ ومسحور , كانتْ يداها تدميان وتَنزفان , لتُتِمَّ المُهمَّةَ الصعبة , ولكنْ , ما كانتْ جائزةُ الصبرِ والجهادِ ؟ أتتْ (( سبيكةُ )) الغولَةُ , وهي رمزُ الفسادِ والإقصاءِ والدخلاء في اللحظةِ الأخيرة , ونزعتْ الإبرةَ المتبقية , فنسبتْ الإنجازَ لنفسها , وسُجِنتْ سمرةُ خادمةً مجهولةً , هكذا أُقصِيتْ شخوصُنا الوطنيةُ المخلصةُ , وسُجِنتْ جهودُها خلفَ أسوارِ التجاهل , ونُسِبَ الفرجُ لغيرِ أهله , قال عليويٌّ: عندئذٍ , تبخَّرَ يقيني بالقناعةِ , وغادرني حُلمُ الفرجِ .

وفي ليلِ الظلمةِ , طلبتْ سمرةُ من سالم (الذي سحرتْه الغولةُ) , أن يجلبَ لها من الهندِ: (( لعيبةَ الصبري )) , دميةٌ لا يطلبُها إلا من يشعرُ بهمٍّ وحزنٍ كبيرين , دميةٌ وظيفتُها: التخفيفُ من همومِ الحزانى والمظلومين , لقد صارتْ (( لُعّابةُ الصبرِ)) مَلجَأنا الأخير , فحينَ أمسكتْها سمرةُ , وراحتْ تحكي حكايتَها المؤلمة , فاضتْ دموعُها وبلّلتْ الدمية , التي راحتْ تنتفخُ أكثرَ وأكثرَ , شعرتْ براحةٍ للحين , ولكنَّ الفرجَ لم يكنْ فرجاً , لقد اكتشفَ سالمٌ الحقيقةَ , ولكنه لم يتمكّنْ من عقابِ الغولة , بل بادرتهُ بطعنةٍ قاتلة , فماتَ سالمٌ واختفتْ معه الغولةُ والبيتُ والسُّورُ , وبقيتْ سمرةُ في عراءِ الصحراءِ , حزينةً على الفرجِ المفقود .

فيا أهلَ العراقِ , لقد أصبحَ مفتاحُ الفرجِ مكسوراً , والشجرةُ التي قيلَ عنها (( جذورُها مُرَّةٌ وثمارُها شَهيَّةٌ )) لم تُطعمنا غيرَ المُرّ , فلنَحمِلْ (( لُعّابةَ الصبرِ)) في أيدينا , نَبوحُ لها بهمومِنا , عسى أن نجدَ في البوحِ راحةً مؤقتة , قبلَ أن تصرخَ فينا الحقيقةُ القاتلةُ , وتُنهي أسطورةَ الصبرِ الممدود , وختامُ القولِ , كقولِ سمرةَ حينَ طُلبتْ منها حكايةٌ سعيدةٌ , بعدَ كلِّ هذا العناء : (( هذي ما صارتْ بعدُ , ولا حَتصيرْ )) .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الخطو للوراء .
- مقامة جيل Z: رؤيا شيخ في آخر الزمان .
- مقامة المندلاوي في (( نَجْوَى الصَّمْتِ الهَادِي )) .
- مقامة الى أبو أيفانكا : في ذمّ الادارة غير الجادة وغير المسؤ ...
- مقامة الرضا في مقهى بغداد الفاضلة .
- مَقَامَةُ الجُهَّال .
- مقامة طوبى : في ذكر حال الأنام والآمال العِظام .
- المقامة الإقصائية .
- المقامة الإسلاسية .
- مقامة ترانيم الخريف .
- مقامة فن الصياغة : الوافي بوفيات الصفدي مثلا .
- مقامة حَرْقِ الكُبُودِ على عراقٍ مَغْزُو .
- مقامة حديث خرافة يا أم عمرو!
- مقامة النوارزمية : فصلُ النورِ وحُجَّةُ الخوارزمِ .
- مقامة (( لعم )) .
- مقامة الخطو وحيدا .
- مَقَامَةُ إِخْوَانِ الصَّفَا وَخِلَّانِ الوَفَا .
- مقامة رماد القدر.
- مقامة الأباطيل والأكاذيب : حين يكتب السيف .
- مقامة مال السُّوَّال .


المزيد.....




- أول طائرة مقاتلة أمريكية تقلع بلا حاجة لمدرج تخرج من الخدمة ...
- الأمير البريطاني السابق أندرو -كان يؤجر منازل في قصر رويال ل ...
- قدمته رشيدة طليب.. مجلس النواب الأميركي يرفض مشروع قرار بشأن ...
- إيران تعيد فتح ملف هجوم مطار الكويت.. صور جديدة ورواية مثيرة ...
- قضية -الجهاز السري- لحركة النهضة التونسية: -تصفية للخصوم-؟
- -ألبانيا ليست للبيع-... مظاهرات حاشدة ضد مشروع سياحي مرتبط ب ...
- مقتل خمسة أذربيجانيين في هجوم بمسيّرات على سفينتي شحن وروسيا ...
- هل تشيخ تونس أسرع مما يتوقع الجميع؟ أرقام جديدة تعيد رسم مست ...
- توافق قوى سياسية ومدنية سودانية في إثيوبيا.. هل ينهي الأزمة؟ ...
- لماذا قيّد مجلس النواب صلاحيات ترمب الحربية تجاه إيران؟


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - صباح حزمي الزهيري - مقامة لعّابة الصبر : العراق و سَوْط حقيقة الحكايات الصارخ .