طرواديّات - من مذكرات كاتبة وطبيبة نفسيّة 6-


لمى محمد
الحوار المتمدن - العدد: 8779 - 2026 / 7 / 27 - 02:51
المحور: الصحة والسلامة الجسدية والنفسية     

هل آتاكم حديث الإرادة؟ تلك التي تأتي من قلب القصص المؤلمة التي لم تنته نهايات خياليّة بانتصار الخير المطلق على الشر المطلق..
ليس لأنّ الخير ضعيف ولا لأنّ الشر قويّ، بل لأن كلمة “المطلق” غير موجودة في قواميس الاستمرار.

السعادة تكمن في إدراك رسالتك على هذه الأرض، وطفلتي أهم ما في رسالتي.

البارحة شاهدت وزوجي و ابنتي فلم الأوديسة المقتبس أحداثاً عن ملحمة الأوديسة لهوميروس، وكان من الكنايات ما يضمن لكل محترق في دخان فيديوهات هذا الزمن القصيرة ألا يفهمه.

قالت ألمى:
-هل من الممتع مشاهدة الماضي.
قلت لها:
-بل نحن سنشاهد الحاضر فيه.


تحكي الأوديسة عن رحلة العودة إلى الوطن وما يتخللها من مخاطر، لا أظن ذلك الزمان احتوى العمالقة ولا حوريات البحر أو النساء الطيور، لا أظنه كان للساحرات القدرة على مسخ الناس لحيوانات، لكنها الكنايات والاستعارات يا أحبتي، سيدات الأدب وملكات الأساطير.

أوديسيوس ملك إيثاكا اليونانية وصاحب فكرة حصان طروادة -السبب الجوهر في سقوط طروادة بيد المحتلين- يقرر العودة إلى الوطن بعد ما اعتبره ما بقي من جنوده نصراً مبيناً، وما رآه هو عقدة ذنب تُحكم شدّتها حول رقبة أحلامه.

وفي طريق العودة تصطفّ إغراءات الحياة كلها، تلك التي يمدّ إليها يده من يظنّ نفسه "أفضلاً" غير عابئ بالطريقة:
يبدأ الطريق بالنصر -بتعريفه البشري الحقير- وقد تركه أوديسيوس خلفه حصاناً خشبياً وسط مدينة تحترق، تنتهك نساؤها، يتيتم أطفالها، ويُذبح رجالها.
يمرّ طريق العودة أيضاً بالكرسي، دُفع ثمنه جنوداً كثراً نُحروا في سبيل حيوات الملوك ونزوات جشعهم..

وعند كهف العملاق تطلّ الاندفاعية والتحكم: سهمٌ واحد أطلقه الغرور على العين المحروقة، فحرّض الوحش على قتل المزيد من الجنود..
وعندما يصل أوديسيوس أرض الموتى، يأتيه من رحلوا نصفهم حزين والآخر غاضب يريد القصاص منه.. ويحذره ملكهم من عواقب ما تبقى من رحلته.

يقولون له:
-لن يعود سواك..
وهو يرد:
-بل سأقول لهم وسنعود معهم.


تغنّي السيرينات فيتبعهنّ من ظنّ الجسد نجاة..

وفي جزيرةٍ لا تُنحر حيواناتها ينحر الجوعى قربان الآلهة غير آبهين بغضبها، يأكلون رغم كل تحذيرات أوديسيوس

في مشهد ومكان آخر يقتحم الجنود عنوةً بيت الساحرة سيرسي بحثاً عن مأوى، فتردّهم إلى حقيقتهم: خنازير.. وحتى بعد أن ينقذهم أوديسيوس يبقى عقلهم مشغول بنجاة مؤقتة.

ثم تطلّ الحسناء كاليبسو بزهور اللوتس التي تمحي الذاكرة، لتحتفظ بجسد أوديسيوس وتنسيه ماضيه، لكن إلى حين..

وعندما يعيد أوديسيوس بعد عودته حكاية ما حدث لحبه الوحيد -زوجته وابنه- يخبرهم أن حصان طروادة كان خطأً مبيناً، وأن الحضارة ستعود، لكن البشر للأسف سينسون أخطاءه ويتذكرون القصة بفخر الدهاة.

وفي هذا مع حكاية الشرق الأوسط إعادات!

وبقي أن أخبركم قبل أن أشجعكم على حضور الفلم أن تتذكروا مجازر الساحل والسويداء عندما تأتي لقطات دخول الهمج إلى طروادة، وتتخيلوا أن ما حدث منذ مئات السنين حدث في عام 2025 ولم تستطع شعوب العالم معه شيئاً…
الفرق الوحيد أن طروادة الأمس كان حصاناً، طروادة اليوم إدعاء الدين.

قالت ألمى بعد الفلم:
-كيف للبشر أن يعيدوا الماضي بغباء؟
فأجبتها:
-لأن الحياة تستمر.

*****************


السعادة تكمن في إدراك رسالتك على هذه الأرض، وطفلتي أهم ما في رسالتي.

مرحلة المراهقة الحساسة جداً تمر مع ألمى كمسلسل سوري خفيف، أعلن أنه لن يرضخ لبؤس الواقع ولا لخيبات الماضي، لا يخلو يوم فيه من مشهد “ يا روحي، ليس المهم هو إرضاء البشر من حولك، بل أن ترضي أنت عن نفسك..”..
لا حصان طروادة مسموح في بيتي البسيط، ومن يدخل حياتنا المشغولة جداً ليس من المطلوب منه إلا الصدق وبعض الحب.

لطفلتي كثير من الزميلات، ينقسمن في محبتي وتقبلي.. ليس فقط لأن البشر كيمياء قد تتفق ماءً أو تنفجر قنابلاً.. بل أيضاً بانقسام طموحاتهنّ.

من تريد صنع مستقبل حق لمساعدة الناس والمحاولة -قدر الإمكان - التقليل من البشاعة في هذا العالم، تقول لها:
- “ ألمى أنا أحب أمك جداً، محظوظة أنت يا ألمى بوالدتك لقد حمتك كل حياتك وعلمتك أن تكوني ذكية وبنفس الوقت رقيقة ولطيفة ومجدّة” ، “ انظري إلى جلدك ونفسيتك يا ألمى واشكري أمك”.

ومنهن من تلاحق ابنتي باستفساراتها وضغطها محيلة أوقات فراغها إلى محاكم :
-“ لماذا أمك متشددة جداً معك؟ “ “ لماذا لا تدعك تذهبين معنا لوحدنا؟” ، “ لماذا تحرمك من التوكتوك والانستاغرام أغلب الوقت؟ “، “ لماذا لا تقبل أن تتحدثي معي أكثر من نصف ساعة؟ “ ، “ لماذا لا تدعك تسبحين معي بمفردك؟” ، “ أمك متشددة جداً يا ألمى أحزن عليك”.

تأتي ابنتي إليّ محملة بتفاصيل التفاصيل، بطرواديات لم ولن يدخلن تفاصيلنا، برسائل الفتيات وأمهاتهنّ، بفرح من تحدثت عن أمها بالخير، وبغضب من تملأها ضد أمها.

أبتسم بحب وأنا أتذكر صدمتها في رياض الأطفال عندما اكتشفت أن البشر قد يكذبون.. أحتضنها، وأقول لها:

- أحبك يا ألمى.


يتبع…