كواكب الاكتئاب- مذكرات كاتبة وطبيبة نفسيّة 3-


لمى محمد
الحوار المتمدن - العدد: 8748 - 2026 / 6 / 26 - 23:39
المحور: الادب والفن     

أدخل عيادتي كل يوم، محمّلة الأمل، اشتريه من تغيّر الفصول، من لون السماء وضحكات الأطفال، ومن قدرة الأبطال من الناس على الاعتراف بالمرض النفسي.

ومع أن دموعي تشبه بعضها في كل الحالات، لا يتكرر أي شخص في حالة أخرى، بل يأتي كلٌّ ككوكب كامل من القصص و الحقائق، من الجغرافيا والتاريخ!

نعم في عيادتي، لا يأتيني اكتئابان متشابهان!

يأتيني هو لا ينام، وهي لا تستيقظ، يأتي من يتعثر بدموعه من غرفة الانتظار، ومن لا يستطيع البكاء…
يأتيني من لا يستطيع العمل، ومن فقد معنى الحياة على الرغم من أعلى درجات التحصيل العلمي والعملي.

يأتيني من يفكر بالخروج من هذا الكوكب، ومن يحاول بشتى الطرق دخوله..
في عيادتي كلهم يقولون: "أنا مكتئب”، وكلهم صادقون. ما احتاج لشرحه دوماً أن الاكتئاب ليس مرضاً واحداً.

يأتي الاكتئاب كالحمى، تتعدد الأسباب و العلاج الذي قد ينقذك، لن ينقذ غيرك.
للاكتئاب سبعة أنواع على الأقل: الاكتئاب الالتهابي، اكتئاب محور الإجهاد، الاكتئاب المقاوم الغلوتاماتي، الاكتئاب الأيضي، اكتئاب الإيقاع الحيوي ، الاكتئاب مع الاضطرابات الشخصية (اكتئاب الذنب أو العار).

ثم يأتي ما نعرفه جميعاً: الاكتئاب الكلاسيكي، وهو الوحيد الذي يستجيب لمضادات الاكتئاب SSRIs فعلاً.

في هذه القصة سأحكي لكم بعضها في حكايا أشخاص وهميين، لكنهم حقيقيون في كل مريض قابلته.

أريدنا أن نعرف أن المرض النفسي أعمق وأكثر تعقيداً مما يظن الجهلاء، وأن الطب النفسي اليوم يتقدم بخطى جادة نحو علاج مُصمَّم لك أنت، لا للجميع، فعلينا أن نخلع الوصمة جانباً و نساعد في بناء مستقبل أفضل للأحفاد.
***********


“ أرى الحياة من خلال زجاج متسخ يا دكتورة!”

دخلت سارة عيادتي تتعثر بثوبها الطويل، قالت لي أنها جاءت بسبب إحدى مقالاتي عن الاكتئاب الالتهابي…
سيدة في منتصف العمر، قمة الأدب و الجمال، منذ سنتين وهي تشعر بتعب لا تفسير له.
تنام تسع ساعات وتصحو منهكة! وزنها يزداد رغم أنها لا تأكل كثيراً.
حكت لي عن وحش الاكتئاب يطوف حولها في كل الأماكن، لقد غابت أي متعة في هذه الحياة، قالت لي: “ أرى الحياة من خلال زجاج متسخ يا دكتورة! أريد أن تعود الصورة واضحة!”

"جربت في الماضي ثلاثة أدوية مضادة للاكتئاب"، لم تفِد،

أجرينا فحوصات الدم كشفت: CRP مرتفع، وعلامات التهاب أخرى.
الاكتئاب عند سارة من النوع الالتهابي، جهازها المناعي في حالة إنذار مستمر..
والالتهاب المزمن يرفع مستويات مواد تسمى السيتوكينات، تتدخل في عمل الناقلات العصبية، مثل السيروتونين، الدوبامين، وتُفسد توازنها.
مضادات الاكتئاب التقليدية تعمل على هذه الناقلات مباشرة، لكن إن كان السبب الجذري هو الالتهاب، فهي تعالج الدخان، لا تطفئ النار.
***********


“ لقد أدمنت الإنجاز.. هذا سبب اكتئابي إذاً؟”

أحضرت خالد من غرفة الانتظار مرحبة به، لم يبدُ عليه أي ترحيب بي، قال أنه لا يؤمن بالطب النفسي وأن زوجته هي من أرسلته إلي.
خالد، 45 عاماً، مدير تنفيذي لشركة مرموقة. طفولته لم تكن سهلة، أب غائب، أم قلقة، ومسؤوليات حُمِّلها قبل أوانها.
تعلّم مبكراً أن ينجح أو يختفي، لا مجال لوضع مسؤولية طفولته فوق مسؤوليات انشغال الأب وإرهاق الأم.

اليوم، خالد ناجح بكل مقاييس زمننا الحالي، من يراه يقول “ واو! أريد أن أصبح مثل هذا الشخص”.

لكن خالد حكى لدكتورته النفسية كيف أنه يصحو الساعة الثالثة فجراً، ليجر أفكاره المتبعثرة المتسابقة ويحاول لمها في علبة ومواصلة اليوم، استطاع فعل هذا لسنوات.. لكن اليوم انفجرت العلبة!
تفكيره لا يتوقف. يشعر بالذنب حين لا يعمل.. الاستمتاع أصبح ترفاً يعجز عنه..

اكتئابه ثقيل ثقل العلبة، راسخ رسوخ ذكريات الطفولة، كلاسيكي كما نشاهد في أفلام الأبيض والأسود.
الصباح أسوأ من المساء. جسده يتألم دون سبب عضوي. والأفكار السوداء تزوره أحياناً، لكنه يطردها بالعمل.

هذا اكتئاب الإجهاد.
جهاز الإجهاد في جسمه، المحور الوطائي-النخامي-الكظري (محور HPA) يعمل بطاقة قصوى منذ الطفولة.
الكورتيزول مرتفع باستمرار. وهذا الكورتيزول المزمن يضر بخلايا الحُصين في الدماغ، والحصين هو منطقة الذاكرة والتوازن العاطفي، مما يجعل الدماغ عالقاً في وضعية "الخطر".
***********


"ما عاد في شيء يستاهل"

رأيت منى للمرة الثالثة، عندها فتحت لي قلبها، قالت لي أنها تعبت من كل شيء، وأن ابنتها تقول "أمي تغيرت". وزوجها يقول أنها “ سمينة، تأكل كل الوقت و مدمنة معجنات”
قالت لي” لقد غابت إرادتي، ثم سعادتي”
منى، 54 عاماً. منذ دخلت -ما يسميه الطب الذكوري- سن اليأس وحياتها تتغير، وزنها ارتفع، وحبها للمعجنات زاد، و" أصبحت شخصاً آخر" .

بعد التحاليل، أثبتت فحوصات السكر حالة "ما قبل السكري”.

أجل، هذا ما نسميه “ الاكتئاب الأيضي”.
المقاومة للأنسولين تؤثر مباشرة على طاقة خلايا الدماغ، الميتوكوندريا، محطات الطاقة في كل خلية، فتعمل بكفاءة أقل.
الدماغ يعاني نقص طاقة حرفي، لا مجازي، وهذا النوع من الاكتئاب نادراً ما يستجيب للدواء وحده، نحتاج الرياضة، الحمية و معالجات أخرى.
************


" حبيتك بالصيف"

دخل يوسف عيادتي ضاحكاً، قال لي " أنا شخص صيفي، كما ترين" لا أعاني أي اكتئاب في الصيف، لكن في الشتاء، أنا شخص آخر"...

يوسف مهندس عبقري، شتاء العام الماضي كان قاسياً عليه، أيام قصيرة، ضوء شمس شحيح، ومزاج في الحضيض.
لكن في الصيف يعود لنفسه!
أجل هذا هو اكتئاب الإيقاع الحيوي.

ساعته البيولوجية خرجت عن توقيتها، الغدة الصنوبرية مضطربة و إفراز الميلاتونين، هرمون النوم والإيقاع مقلقل.
الضوء هو المنظّم الأساسي لهذه الساعة، لذلك حين يغيب الضوء، يختل الإيقاع، ويختل معه المزاج.
**********



أدخل عيادتي كل يوم، محمّلة الأمل، اشتريه من قوة النفس البشرية وقدرتنا على الاستمرار والبداية من الصفر.

لا يتكرر أي اكتئاب أراه في حالة أخرى، بل يأتي ككوكب كامل لأسباب شتى!

نعم في عيادتي، لا يأتيني اكتئابان متشابهان، وليس في عيادتي علاجان متشابهان!
افتخر بقصتك واختلافنا.. هكذا يتقدم الطب النفسي وننجو.. أو فننجو!

يتبع…